أخس من أن يسمى ويذكر ، ولكنك إن شئت أن تضع له اسما فافعل ، فكأنه تعالى قال : سموهم بالآلهة على سبيل التهديد ، والمعنى : سواء سميتموهم بهذا الاسم أو لم تسموهم به ، فإنها في الحقارة بحيث لا تستحق أن يلتفت العاقل إليها ، ثم زاد في الحجاج فقال :
أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ
والمراد : أتقدرون على أن تخبروه وتعلموه بأمر تعلمونه وهو لا يعلمه ، وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها ، وإن لم يكن شريك البتة ، لأنهم ادعوا أن له شركاء في الأرض لا في غيرها
أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ
يعنى تموهون بإظهار قول لا حقيقة له ، وهو كقوله تعالى :
ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ
[ التوبة : 30 ] ثم إنه تعالى بين بعد هذا الحجاج سوء طريقتهم فقال على وجه التحقير لما هم عليه :
بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ
قال الواحدي : معنى ( بل ) هاهنا كأنه يقول : دع ذكر ما كنا فيه زين لهم مكرهم ، وذلك لأنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد قولهم ، فكأنه يقول : دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه ، لأنه زين لهم كفرهم ومكرهم فلا ينتفعون بذكر هذه الدلائل . قال القاضي : لا شبهة في أنه تعالى إنما ذكر ذلك لأجل أن يذمهم به ، وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ذلك المزين هو اللّه ، بل لا بد وأن يكون إما شياطين الإنس وإما شياطين الجن .
واعلم أن هذا التأويل ضعيف لوجوه : الأول : أنه لو كان المزين أحد شياطين الجن أو الإنس / فالمزين في قلب ذلك الشيطان إن كان شيطانا آخر لزم التسلسل ، وإن كان هو اللّه فقد زال السؤال ، والثاني : أن يقال :
القلوب لا يقدر عليها إلا اللّه ، والثالث : أنا قد دللنا على أن ترجيح الداعي لا يحصل إلا من اللّه تعالى وعند حصوله يجب الفعل .
أما قوله :
وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ
فاعلم أنه قرأ عاصم وحمزة والكسائي
وَصُدُّوا
بضم الصاد وفي حم
وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ
[ النساء : 167 ] على ما لم يسم فاعله بمعنى أن الكفار صدهم غيرهم ، وعند أهل السنة أن اللّه صدهم . وللمعتزلة فيه وجهان : قيل الشيطان ، وقيل أنفسهم وبعضهم لبعض كما يقال : فلان معجب وإن لم يكن ثمة غيره وهو قول أبي مسلم والباقون ، وصدوا بفتح الصاد في السورتين يعني أن الكفار صدوا عن سبيل اللّه ، أي أعرضوا وقيل : صرفوا غيرهم ، وهو لازم ومتعد ، وحجة القراءة الأولى مشاكلتها لما قبلها من بناء الفعل للمفعول ، وحجة القراءة الثانية قوله :
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ *
[ النساء : 167 ] .
ثم قال :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
اعلم أن أصحابنا تمسكوا بهذه الآية من وجوه : أولها : قوله :
بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ
وقد بينا بالدليل أن ذلك المزين هو اللّه . وثانيها : قوله :
وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ
بضم الصاد ، وقد بينا أن ذلك الصاد هو اللّه . وثالثها : قوله :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
وهو صريح في المقصود وتصريح بأن ذلك المزين وذلك الصاد ليس إلا اللّه . ورابعها : قوله تعالى :
لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ
أخبر عنهم أنهم سيقعون في عقاب الآخرة وإخبار اللّه ممتنع التغير وإذا امتنع وقوع التغير في هذا الخبر ، امتنع صدور الإيمان منه وكل هذه الوجوه قد لخصناها في هذا الكتاب مرارا ، قال القاضي :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ
أي عن ثواب الجنة لكفره وقوله :
فَما لَهُ مِنْ هادٍ
منبئ بذلك أن الثواب لا ينال إلا بالطاعة خاصة فمن زاغ عنها لم يجد إليها سبيلا ، وقيل : المراد بذلك من حكم بأنه ضال وسماه ضالا ، وقيل المراد من يضلله اللّه عن الإيمان بأن يجده كذلك ، ثم قال والوجه الأول أقوى .
واعلم أن الوجه الأول ضعيف جدا لأن الكلام إنما وقع في شرح إيمانهم وكفرهم في الدنيا ولم يجز ذكر