حد نفاذه في الصحو ، فهذه أقوال أربعة في تفسير
سُكِّرَتْ
وهي في الحقيقة متقاربة ، واللّه أعلم .
المسألة الثانية : قال الجبائي : من جوز قدرة السحرة على أن يأخذوا بأعين الناس حتى يروهم الشيء على خلاف ما هو عليه لم يصح إيمانه بالأنبياء والرسل ، وذلك لأنهم إذا جوزوا ذلك فلعل / هذا الذي يرى أنه محمد بن عبد اللّه ليس هو ذلك الرجل وإنما هو شيطان ، ولعل هذه المعجزات التي نشاهدها ليس لها حقائق ، بل هي تكون من باب الآراء الباطلة من ذلك الساحر ، وإذا حصل هذا التجويز بطل الكل . واللّه أعلم .
[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 16 إلى 18 ]
وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ ( 16 ) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ( 17 ) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ ( 18 )
اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهة منكري النبوة ، وكان قد ثبت أن القول بالنبوة مفرع على القول بالتوحيد أتبعه تعالى بدلائل التوحيد . ولما كانت دلائل التوحيد منها سماوية ، ومنها أرضية ، بدأ منها بذكر الدلائل السماوية ، فقال :
وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ
قال الليث : البرج واحد من بروج الفلك ، والبروج جمع وهي اثنا عشر برجا ، ونظيره قوله تعالى :
تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً
[ الفرقان : 61 ] وقال :
وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ
[ البروج : 1 ] ووجه دلالتها على وجود الصانع المختار ، هو أن طبائع هذه البروج مختلفة على ما هو متفق عليه بين أرباب الأحكام ، وإذا كان الأمر كذلك فالفلك مركب من هذه الأجزاء المختلفة في الماهية والأبعاض المختلفة في الحقيقة ، وكل مركب فلا بد له من مركب يركب تلك الأجزاء والأبعاض بحسب الاختيار والحكمة ، فثبت أن كون السماء مركبة من البروج يدل على وجود الفاعل المختار ، وهو المطلوب ، وأما قوله :
وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ
فقد استقصينا الكلام فيه في سورة الملك في تفسير قوله تعالى :
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
[ الملك : 5 ] فلا نعيد هاهنا إلا القدر الذي لا بد منه قوله :
وَزَيَّنَّاها
أي بالشمس والقمر والنجوم
لِلنَّاظِرِينَ
أي للمعتبرين بها والمستدلين بها على توحيد صانعها وقوله :
وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ
.
فإن قيل : ما معنى وحفظناها من كل شيطان رجيم ، والشيطان لا قدرة له على هدم السماء فأي حاجة إلى حفظ السماء منه .
قلنا : لما منعه من القرب منها ، فقد حفظ السماء من مقاربة الشيطان فحفظ اللّه السماء منهم كما قد / يحفظ منازلنا عن متجسس يخشى منه الفساد ثم نقول : معنى الرجم في اللغة الرمي بالحجارة . ثم قيل للقتل رجم تشبيها له بالرجم بالحجارة ، والرجم أيضا السب والشتم لأنه رمي بالقول القبيح ومنه قوله :
لَأَرْجُمَنَّكَ
أي لأسبنك ، والرجم اسم لكل ما يرمى به ، ومنه قوله :
وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
[ الملك : 5 ] أي مرامي لهم ، والرجم القول بالظن ، ومنه قوله :
رَجْماً بِالْغَيْبِ
[ الكهف : 22 ] لأنه يرميه بذلك الظن والرجم أيضا اللعن والطرد ، وقوله الشيطان الرجيم ، قد فسروه بكل هذه الوجوه . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : كانت الشياطين ، لا تحجب عن السماوات ، فكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها إلى الكهنة ،