وتحفيظه وتعليمه في قلب الكافر لأجل أن يؤمن به ، ثم إنه / لم يلتفت إليه ولم يؤمن به فصار فعل اللّه تعالى كالهدر الضائع ، وصار الكافر والشيطان كالغالب الدافع ، وإذا كان كذلك كان ذكر النون المشعر بالعظمة والجلالة في قوله :
نَسْلُكُهُ
غير لائق بهذا المقام ، فثبت بهذا التأويل الذي ذكروه فاسد .
والوجه الثاني : أنه لو كان المراد ما ذكروه لوجب أن يقال :
كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ
ولا يؤمنون به ، أي ومع هذا السعي العظيم في تحصيل إيمانهم لا يؤمنون أما لم يذكر الواو فعلمنا أن قوله :
لا يُؤْمِنُونَ بِهِ
كالتفسير ، والبيان لقوله :
نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ
وهذا إنما يصح إذا كان المراد أنا نسلك الكفر والضلال في قلوبهم .
والوجه الثالث : أن قوله :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
[ الحجر : 9 ] بعيد ، وقوله :
يَسْتَهْزِؤُنَ
قريب ، وعود الضمير إلى أقرب المذكورات هو الواجب . أما قوله : لو كان الضمير في قوله :
نَسْلُكُهُ
عائدا إلى الاستهزاء لكان في قوله ،
لا يُؤْمِنُونَ بِهِ
عائدا إليه ، وحينئذ يلزم التناقض .
قلنا : الجواب عنه من وجوه :
الوجه الأول : أن مقتضى الدليل عود الضمير إلى أقرب المذكورات ، ولا مانع من اعتبار هذا الدليل في الضمير الأول وحصل المانع من اعتباره في الضمير الثاني فلا جرم قلنا : الضمير الأول عائد إلى الاستهزاء ، والضمير الثاني عائد إلى الذكر ، وتفريق الضمائر المتعاقبة على الأشياء المختلفة ليس بقليل في القرآن ، أليس أن الجبائي والكعبي والقاضي قالوا في قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
[ الأعراف : 189 ، 190 ] فقالوا هذه الضمائر من أول الآية إلى قوله :
جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ
عائدة إلى آدم وحواء ، وأما في قوله :
جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
عائدة إلى غيرهما ، فهذا ما اتفقوا عليه في تفاسيرهم ، وإذا ثبت هذا ظهر أنه لا يلزم من تعاقب الضمائر عودها إلى شيء واحد بل الأمر فيه موقوف على الدليل فكذا هاهنا واللّه أعلم .
الوجه الثاني : في الجواب قال بعض الأدباء من أصحابنا قوله :
لا يُؤْمِنُونَ بِهِ
تفسير للكناية في قوله :
نَسْلُكُهُ
والتقدير : كذلك نسلك في قلوب المجرمين أن لا يؤمنوا به والمعنى نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به .
والوجه الثالث : وهو أنا بينا بالبراهين العقلية القاهرة أن حصول الإيمان والكفر يمتنع أن يكون بالعبد ، وذلك لأن كل أحد إنما يريد الإيمان والصدق ، والعلم والحق ، وأن أحدا / لا يقصد تحصيل الكفر والجهل والكذب فلما كان كل أحد لا يقصد إلا الإيمان والحق ثم إنه لا يحصل ذلك ، وإنما يحصل الكفر والباطل ، علمنا أن حصول ذلك الكفر ليس منه .
فإن قالوا : إنما حصل ذلك الكفر لأنه ظن أنه هو الإيمان : فنقول : فعلى هذا التقدير إنما رضي بتحصيل ذلك الجهل لأجل جهل آخر سابق عليه فينقل الكلام إلى ذلك الجهل السابق فإن كان ذلك لأجل جهل آخر لزم