تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
ويقررون قولك طريق يفضي إلى حصول هذا المقصود قطعا ، والطريق الذي تقرر به صحة نبوتك طريق في محل الشكوك والشبهات ، فلو كنت صادقا في ادعاء النبوة لوجب في حكمة اللّه تعالى إنزال الملائكة الذين يصرحون بتصديقك وحيث لم تفعل ذلك علمنا أنك لست من النبوة في شيء ، فهذا تقرير هذه الشبهة ، ونظيرها قوله تعالى في سورة الأنعام :
وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ
[ الأنعام : 8 ] وفيه احتمال آخر : وهو أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يخوفهم بنزول العذاب إن لم يؤمنوا به ، فالقوم طالبوه بنزول العذاب وقالوا له :
لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ
الذين ينزلون عليك ينزلون علينا بذلك العذاب / الموعود ، وهذا هو المراد بقوله تعالى :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ
[ العنكبوت : 53 ] ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله :
ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ
فنقول : إن كان المراد من قولهم :
لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ
هو الوجه الأول ، كان تقرير هذا الجواب أن إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحق وعند حصول الفائدة ، وقد علم اللّه تعالى من حال هؤلاء الكفار أنه لو أنزل عليهم الملائكة لبقوا مصرين على كفرهم ، وعلى هذا التقرير فيصير إنزالهم عبثا باطلا ، ولا يكون حقا ، فلهذا السبب ما أنزلهم اللّه تعالى ، وقال المفسرون : المراد بالحق هاهنا الموت ، والمعنى : أنهم لا ينزلون إلا بالموت ، وإلا بعذاب الاستئصال ، ولم يبق بعد نزولهم إنظار ولا إمهال ، ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة ، فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة ، وأما إن كان المراد من قوله تعالى :
لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ
استعجالهم في نزول العذاب الذي كان الرسول عليه السلام يتوعدهم به ، فتقرير الجواب أن الملائكة لا تنزل إلا بعذاب الاستئصال ، وحكمنا في أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم أن لا نفعل بهم ذلك ، وأن نمهلهم لما علمنا من إيمان بعضهم ، ومن إيمان أولاد الباقين . المسألة الثانية : قال الفراء والزجاج : لولا ولوما لغتان : معناهما : هلا ويستعملان في الخبر والاستفهام ، فالخبر مثل قولك لولا أنت لفعلت كذا ، ومنه قوله تعالى :
لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ
[ سبأ : 31 ] والاستفهام كقولهم :
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ
[ الأنعام : 8 ] وكهذه الآية . وقال الفراء : لوما الميم فيه بدل عن اللام في لولا ، ومثله استولى على الشيء واستومى عليه ، وحكى الأصمعي : خاللته وخالمته إذا صادقته ، وهو خلى وخلمي أي صديقي . المسألة الثالثة : قوله :
ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ
قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم :
ما نُنَزِّلُ
بالنون وبكسر الزاي والتشديد ، والملائكة بالنصب لوقوع الإنزال عليها . والمنزل هو اللّه تعالى ، وقرأ أبو بكر عن عاصم : ما تنزل عن فعل ما لم يسمى فاعله ، والملائكة بالرفع . والباقون : ما تنزل الملائكة على إسناد فعل النزول إلى الملائكة واللّه أعلم . المسألة الرابعة : قوله :
وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ
يعني : لو نزلت الملائكة لم ينظروا أي يمهلوا فإن التكليف يزول عند نزول الملائكة . قال صاحب « النظم » : لفظ اذن مركبة من كلمتين : من إذ وهو اسم بمنزلة حين ألا ترى أنك تقول : أتيتك إذ جئتني أي حين جئتني . ثم ضم إليها أن ، فصار إذ أن . ثم استثقلوا الهمزة ، فحذفوها فصار إذن ، ومجيء لفظة إذن دليل على إضمار فعل بعدها والتقدير : وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا وهذا تأويل حسن . ثم قال تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
وفيه مسائل :