ولزم التسلسل ، وإن كان هو اللّه تعالى فحينئذ يعود البحث إلى أن فعل العبد إنما تعين وتقدر بتخصيص اللّه تعالى ، وحينئذ لا يعود الإلزام .
المسألة الثالثة : دلت الآية على أن كل من مات أو قتل فإنما مات بأجله ، وأن من قال : يجوز أن يموت قبل أجله فمخطىء .
فإن قالوا : هذا الاستدلال إنما يتم إذا حملنا قوله :
وَما أَهْلَكْنا
على الموت أما إذا حملناه على عذاب الاستئصال فكيف يلزم .
قلنا : قوله :
وَما أَهْلَكْنا
إما أن يدخل تحته الموت أو لا يدخل ، فإن دخل فالاستدلال ظاهر لازم وإن لم يدخل فنقول : إن ما لأجله وجب في عذاب الاستئصال أن لا يتقدم ولا يتأخر عن وقته المعين قائم في الموت ، فوجب أن يكون الحكم هاهنا كذلك ، واللّه أعلم .
[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 6 إلى 9 ]
وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ( 6 ) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 7 ) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ ( 8 ) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 )
اعلم أنه تعالى لما بالغ في تهديد الكفار ذكر بعده شبههم في إنكار نبوته .
فالشبهة الأولى : أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون ، وفيه احتمالات : الأول : أنه عليه السلام كان يظهر عليه عند نزول الوحي حالة شبيهة بالغشي فظنوا أنها جنون ، والدليل عليه قوله :
وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ
[ القلم : 51 ، 52 ] وأيضا قوله :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ
[ الأعراف : 184 ] . والثاني : أنهم كانوا يستبعدون كونه رسولا حقا من عند اللّه تعالى ، فالرجل إذا سمع كلاما مستبعدا من غيره فربما قال له هذا جنون وأنت مجنون لبعد ما يذكره من طريقة العقل ، وقوله :
إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
في هذه الآية يحتمل الوجهين .
أما قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
ففيه وجهان : الأول : أنهم ذكروه على سبيل الاستهزاء كما قال فرعون :
إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
[ الشعراء : 27 ] وكما قال قوم شعيب :
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
[ هود : 87 ] وكما قال تعالى :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ *
[ آل عمران : 21 ] لأن البشارة بالعذاب ممتنعة . والثاني :
يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ
في زعمه واعتقاده ، وعند أصحابه وأتباعه .
ثم حكى عنهم أنهم قالوا في تقرير شبههم :
لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : المراد لو كنت صادقا في ادعاء النبوة لأتيتنا بالملائكة يشهدون عندنا بصدقك فيما تدعيه من الرسالة ، لأن المرسل الحكيم إذا حاول تحصيل أمر ، وله طريق يفضي إلى تحصيل ذلك المقصود قطعا ، وطريق آخر قد يفضي وقد لا يفضي ، ويكون في محل الشكوك والشبهات ، فإن كان ذلك الحكيم أراد تحصيل ذلك المقصود ، فإنه يحاول تحصيله بالطريق الأول لا بالطريق الثاني ، وإنزال الملائكة الذين يصدقونك ،