تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
اعلم أن الكفار لما خوفوا شعيبا عليه السلام بالقتل والإيذاء ، حكى اللَّه تعالى عنه ما ذكره في هذا المقام ، وهو نوعان من الكلام : النوع الأول : قوله :
يا قَوْمِ أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
والمعنى : أن القوم زعموا أنهم تركوا إيذاءه رعاية لجانب قومه . فقال : أنتم تزعمون أنكم تتركون قتلي إكراما لرهطي ، واللَّه تعالى أولى أن يتبع أمره ، فكأنه يقول : حفظتكم / إياي رعاية لأمر اللَّه تعالى أولى من حفظكم إياي رعاية لحق رهطي . وأما قوله :
وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا
فالمعنى : أنكم نسيتموه وجعلتموه كالشئ المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به . قال صاحب « الكشاف » : والظهري منسوب إلى الظهر ، والكسر من تغيرات النسب ونظيره قولهم في النسبة إلى الأمس إمسي بكسر الهمزة ، وقوله :
إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
يعني أنه عالم بأحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها . والنوع الثاني : قوله :
وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ
والمكانة الحالة يتمكن بها صاحبها من عمله ، والمعنى اعملوا حال كونكم موصوفين بغاية المكنة والقدرة وكل ما في وسعكم وطاقتكم من إيصال الشرور إلي فإني أيضا عامل بقدر ما آتاني اللَّه تعالى من القدرة . ثم قال :
سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ
وفيه مسألتان : المسألة الأولى : لقائل أن يقول لم لم يقل « فسوف تعلمون » والجواب : إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل ، وإما بحذف الفاء فإنه يجعله جوابا عن سؤال مقدر والتقدير : أنه لما قال :
وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ
فكأنهم قالوا فماذا يكون بعد ذلك ؟ فقال :
سَوْفَ تَعْلَمُونَ
فظهر أن حذف حرف الفاء هاهنا أكمل في باب الفظاعة والتهويل . ثم قال
وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ
والمعنى : فانتظروا العاقبة إني معكم رقيب أي منتظر ، والرقيب بمعنى الراقب من رقبه كالضريب والصريم بمعنى الضارب والصارم ، أو بمعنى المراقب كالعشير والنديم ، أو بمعنى المرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع .

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 94 إلى 95 ]

وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ( 94 ) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ( 95 ) روى الكلبي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال : لم يعذب اللَّه تعالى أمتين بعذاب وأحد إلا قوم شعيب وقوم صالح فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم ، وقوم شعيب أخذتهم من فوقهم / وقوله :
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا
يحتمل أن يكون المراد منه ولما جاء وقت أمرنا ملكا من الملائكة بتلك الصيحة ، ويحتمل أن يكون المراد من الأمر العقاب ، وعلى التقديرين فأخبر اللَّه أنه نجى شعيبا ومن معه من المؤمنين برحمة منه وفيه