المسألة الثانية : من الناس من قال : الفقه اسم لعلم مخصوص ، وهو معرفة غرض المتكلم من كلامه واحتجوا بهذه الآية وهي قوله :
ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ
فأضاف الفقه إلى القول ثم صار اسما لنوع معين من علوم الدين ، ومنهم من قال : إنه اسم لمطلق الفهم . يقال : أوتي فلان فقها في الدين ، أي فهما .
وقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « من يرد اللَّه به خيرا يفقهه في الدين »
أي يفهمه تأويله .
والنوع الثاني : من الأشياء التي ذكروها قولهم :
وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً
وفيه وجهان : الأول : أنه الضعيف الذي يتعذر عليه منع القوم عن نفسه ، والثاني : أن الضعيف هو الأعمى بلغة حمير . واعلم أن هذا القول ضعيف لوجوه : الأول : أنه ترك للظاهر من غير دليل ، والثاني : أن قوله :
فِينا
يبطل هذا الوجه ؛ ألا ترى أنه لو قال : إنا لنراك أعمى فينا كان فاسدا ، لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم ، الثالث : أنهم قالوا بعد ذلك
وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ
فنفوا عنه القوة التي أثبتوها في رهطه ، ولما كان المراد بالقوة التي أثبتوها للرهط هي النصرة ، وجب أن تكون القوة التي نفوها عنه هي النصرة ، والذين حملوا اللفظ على ضعف البصر لعلهم إنما حملوه عليه ، لأنه سبب للضعف .
واعلم أن أصحابنا يحوزون العمى على الأنبياء ، إلا أن هذا اللفظ لا يحسن الاستدلال به في إثبات هذا المعنى لما بيناه . وأما المعتزلة فقد اختلفوا فيه فمنهم من قال : إنه لا يجوز لكونه متعبدا فإنه لا يمكنه الاحتراز عن النجاسات ، ولأنه ينحل بجواز كونه حاكما وشاهدا ، فلأن يمنع من النبوة كان أولى ، والكلام فيه لا يليق بهذه الآية ، لأنا بينا أن الآية لا دلالة فيها على هذا المعنى .
والنوع الثالث : من الأشياء التي ذكروها قولهم :
وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال صاحب « الكشاف » : الرهط من الثلاثة إلى العشرة ، وقيل إلى السبعة ، وقد كان رهطه على ملتهم . قالوا لولا حرمة رهطك عندنا بسبب كونهم على ملتنا لرجمناك ، والمقصود من هذا الكلام أنهم بينوا أنه لا حرمة له عندهم ، ولا وقع له في صدورهم ، وأنهم إنما لم يقتلوه / لأجل احترامهم رهطه .
المسألة الثانية : الرجم في اللغة عبارة عن الرمي ، وذلك قد يكون بالحجارة عند قصد القتل ، ولما كان هذا الرجم سببا للقتل لا جرم سموا القتل رجما ، وقد يكون بالقول الذي هو القذف ، كقوله :
رَجْماً بِالْغَيْبِ
[ الكهف : 22 ] وقوله :
وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
[ سبأ : 53 ] وقد يكون بالشتم واللعن ، ومنه قوله :
الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ *
[ النحل : 98 ] وقد يكون بالطرد كقوله :
رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
[ الملك : 5 ] .
إذا عرفت هذا ففي الآية وجهان : الأول :
لَرَجَمْناكَ
لقتلناك . الثاني : لشتمناك وطردناك .
النوع الرابع : من الأشياء التي ذكروها قولهم :
وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ
ومعناه أنك لما لم تكن علينا عزيزا سهل علينا الإقدام على قتلك وإيذائك .
واعلم أن كل هذه الوجوه التي ذكروها ليست دافعا لما قرره شعيب عليه السلام من الدلائل والبينات ، بل هي جارية مجرى مقابلة الدليل والحجة بالشتم والسفاهة .
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 92 إلى 93 ]
قالَ يا قَوْمِ أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 92 ) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ( 93 )