تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
قصص الأنبياء عليهم السلام . الرابع : أنه تعالى إنما أرسل إليهم رجلا عرفوا نسبه وعرفوا كونه أمينا بعيدا عن أنواع التهم والأكاذيب ملازما للصدق والعفاف . ثم إنه كان أميا لم يخالط أهل الأديان ، وما قرأ كتابا أصلا البتة ، ثم إنه مع ذلك يتلو عليهم أقاصيصهم ويخبرهم عن وقائعهم ، وذلك يدل على كونه / صادقا مصدقا من عند اللّه ويزيل التعجب ، وهو من قوله :
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ
[ الجمعة : 2 ] وقال :
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ
[ العنكبوت : 48 ] الخامس : أن مثل هذا التعجب كان موجودا عند بعثة كل رسول ، كما في قوله :
وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً *
[ الأعراف : 65 ]
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً *
[ الأعراف : 73 ] إلى قوله :
أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ *
[ الأعراف : 63 ] السادس : أن هذا التعجب إما أن يكون من إرسال اللّه تعالى رسولا من البشر ، أو سلموا أنه لا تعجب في ذلك ، وإنما تعجبوا من تخصيص اللّه تعالى محمدا عليه الصلاة والسلام بالوحي والرسالة . أما الأول : فبعيد لأن العقل شاهد بأن مع حصول التكليف لا بد من منبه ورسول يعرفهم تمام ما يحتاجون إليه في أديانهم كالعبادات وغيرها . وإذا ثبت هذا فنقول : الأولى أن يبعث إليهم من كان من جنسهم ليكون سكونهم إليه أكمل والفهم به أقوى ، كما قال تعالى :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا
[ الأنعام : 9 ] وقال :
قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا
[ الإسراء : 95 ] . وأما الثاني : فبعيد لأن محمدا عليه الصلاة والسلام كان موصوفا بصفات الخير والتقوى والأمانة ، وما كانوا يعيبونه إلا بكونه يتيما فقيرا ، وهذا في غاية البعد ، لأنه تعالى غني عن العالمين فلا ينبغي أن يكون الفقر سببا لنقصان الحال عنده ، ولا أن يكون الغنى سببا لكمال الحال عنده كما قال تعالى :
وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى
[ سبأ : 37 ] فثبت أن تعجب الكفار من تخصيص اللّه تعالى محمدا بالوحي والرسالة كلام فاسد . المسألة الثانية : الهمزة في قوله :
أَ كانَ
لإنكار التعجب ولأجل التعجيب من هذا التعجب و
أَنْ أَوْحَيْنا
اسم كان وعجبا خبره ، وقرأ ابن عباس عجب فجعله اسما وهو نكرة و
أَنْ أَوْحَيْنا
خبره وهو معرفة كقوله : يكون مزاجها عسل وماء والأجود أن تكون « كان » تامة ، وأن أوحينا ، بدلا من عجب . المسألة الثالثة : أنه تعالى قال :
أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً
ولم يقل أكان عند الناس عجبا ، والفرق أن قوله :
أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً
معناه أنهم جعلوه لأنفسهم أعجوبة يتعجبون منها ونصبوه وعينوه لتوجيه الطيرة والاستهزاء والتعجب إليه ! وليس في قوله : « أكان عند الناس عجبا » هذا المعنى . المسألة الرابعة : ( أن ) مع الفعل في قولنا :
أَنْ أَوْحَيْنا
في تقدير المصدر وهو اسم كان وخبره ، هو قوله :
عَجَباً
وإنما تقدم الخبر على المبتدأ هاهنا لأنهم يقدمون الأهم ، والمقصود بالإنكار في هذه الآية إنما هو تعجبهم ، وأما ( أن ) في قوله :
أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ
فمفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول ، / ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة ، وأصله أنه أنذر الناس على معنى أن الشأن قولنا أنذر الناس . المسألة الخامسة : أنه تعالى لما بين أنه أوحى إلى رسوله ، بين بعده تفصيل ما أوحى إليه وهو الإنذار والتبشير .