تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
والجواب : لم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير ، بل تقدير الكلام كأنه قيل هو الذي يسيركم حتى إذا وقع في جملة تلك التسييرات الحصول في الفلك كان كذا وكذا . السؤال الثاني : ما جواب
إِذا
في قوله :
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ
. الجواب : هو أن جوابها هو قوله :
جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ
ثم قال صاحب « الكشاف » : وأما قوله :
دَعَوُا اللَّهَ
فهو بدل من
ظَنُّوا
لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك . وقال بعض الأفاضل لو حمل قوله :
دَعَوُا اللَّهَ
على الاستئناف كان أوضح ، كأنه لما قيل :
جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ
قال قائل فما صنعوا ؟ فقيل :
دَعَوُا اللَّهَ
. السؤال الثالث : ما الفائدة في صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة ؟ الجواب فيه وجوه : الأول : قال صاحب « الكشاف » : المقصود هو المبالغة كأنه تعالى يذكر حالهم لغيرهم لتعجيبهم منها ، ويستدعى منهم مزيد الإنكار والتقبيح . الثاني : قال أبو علي الجبائي : إن مخاطبته تعالى لعباده ، هي على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام ، فهي بمنزلة الخبر عن الغائب وكل من أقام الغائب مقام المخاطب ، حسن منه أن يرده مرة أخرى إلى الغائب . الثالث : وهو الذي خطر بالبال في الحال ، أن الانتقال في الكلام من لفظ الغيبة إلى لفظ الحضور فإنه يدل على مزيد التقرب والإكرام وأما ضده وهو الانتقال من لفظ الحضور إلى لفظ الغيبة ، يدل على المقت والتبعيد . أما الأول : فكما في سورة الفاتحة ، فإن قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ الفاتحة : 2 ، 3 ] كله مقام الغيبة ، ثم انتقل منها إلى قوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
[ الفاتحة : 5 ] وهذا يدل على أن العبد كأنه انتقل من مقام الغيبة إلى مقام الحضور ، وهو يوجب علو الدرجة ، وكمال القرب من خدمة رب العالمين . وأما الثاني : فكما في هذه الآية ، لأن قوله :
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ
خطاب الحضور ، وقوله :
وَجَرَيْنَ بِهِمْ
مقام الغيبة ، فههنا انتقل من مقام الحضور إلى مقام الغيبة ، وذلك يدل على المقت والتبعيد والطرد ، وهو اللائق بحال هؤلاء ، لأن من كان صفته أنه يقابل إحسان اللَّه تعالى إليه بالكفران ، كان اللائق به ما ذكرناه . السؤال الرابع : كم القيود المعتبرة في الشرط والقيود المعتبرة في الجزاء ؟ الجواب : أما القيود المعتبرة في الشرط فثلاثة : أولها : الكون في الفلك ، وثانيها : جرى الفلك بالريح الطيبة ، وثالثها : فرحهم بها . وأما القيود المعتبرة في الجزاء فثلاثة أيضا : أولها : قوله :
جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ
وفيه سؤالان : السؤال الأول : الضمير في قوله :
جاءَتْها
عائد إلى الفلك وهو ضمير الواحد ، والضمير في قوله :
وَجَرَيْنَ بِهِمْ
عائد إلى الفلك وهو الضمير الجمع ، فما السبب فيه ؟ الجواب عنه من وجهين : الأول : أنا لا نسلم أن الضمير في قوله :
جاءَتْها
عائد إلى الفلك ، بل نقول إنه عائد إلى الريح الطيبة المذكورة في قوله :
وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
الثاني : لو سلمنا ما ذكرتم إلا أن لفظ
الْفُلْكِ
يصلح للواحد والجمع ، فحسن الضميران .