تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
المسألة الأولى : تقرير هذا الدليل أنه تعالى بين بالدليل كونه خالقا للأفلاك والأرضين ، ويدخل فيه أيضا كونه خالقا لكل ما في هذا العالم من الجمادات والمعادن والنبات والحيوان والإنسان ، وقد ثبت في العقل أن كل من كان قادرا على شيء ، وكانت قدرته باقية ممتنعة الزوال ، وكان عالما بجميع المعلومات فإنه يمكنه إعادته بعينه ، فدل هذا الدليل على أنه تعالى قادر على إعادة الإنسان بعد موته . المسألة الثانية : اتفق المسلمون على أنه تعالى قادر على إعدام أجسام العالم ، واختلفوا في أنه تعالى هل يغدمها أم لا ؟ فقال قوم إنه تعالى يعدمها ، واحتجوا بهذه الآية وذلك لأنه تعالى حكم على جميع المخلوقات بأنه يعيدها ، فوجب أن يعيد الأجسام أيضا ، وإعادتها لا تمكن إلا بعد إعدامها ، وإلا لزم إيجاد الموجود وهو محال ونظيره قوله تعالى :
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ
[ الأنبياء : 104 ] فحكم بأن الإعادة تكون مثل الابتداء ، ثم ثبت بالدليل أنه تعالى إنما يخلقها في الابتداء من العدم ، فوجب أن يقال إنه تعالى يعيدها أيضا من العدم . المسألة الثالثة : في هذه الآية إضمار ، كأنه قيل : إنه يبدأ الخلق ليأمرهم بالعبادة ، ثم يميتهم ثم يعيدهم ، كما قال في سورة البقرة :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
[ البقرة : 28 ] إلا أنه تعالى حذف ذكر الأمر بالعبادة هاهنا ، لأجل أنه تعالى قال قبل هذه الآية :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ
[ يونس : 3 ] وحذف ذكر الإماتة لأن ذكر الإعادة يدل عليها . المسألة الرابعة : قرأ بعضهم
إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
بالكسر وبعضهم بالفتح . قال الزجاج : من كسر الهمزة من « أن » فعلى الاستئناف ، وفي الفتح وجهان : الأول : أن يكون التقدير : إليه مرجعكم جميعا لأنه يبدأ الخلق ثم يعيده . والثاني : أن يكون التقدير : وعد اللّه وعدا بدأ الخلق ثم إعادته ، وقرئ يبدي من أبدأ وقرئ حق إنه يبدأ الخلق كقولك : حق إن زيدا منطلق . أما قوله تعالى :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ
فاعلم أن المقصود منه إقامة الدلالة على أنه لا بد من حصول الحشر والنشر ، حتى يحصل الفرق بين المحسن والمسئ ، وحتى يصل / الثواب إلى المطيع والعقاب إلى العاصي ، وقد سبق الاستقصاء في تقرير هذا الدليل ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الكعبي : اللام في قوله تعالى :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا
يدل على أنه تعالى خلق العباد للثواب والرحمة . وأيضا فإنه أدخل لام التعليل على الثواب . وأما العقاب فما أدخل فيه لام التعليل ، بل قال :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ
وذلك يدل على أنه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب ، وذلك يدل على أنه ما أراد منهم الكفر ، وما خلق فيهم الكفر البتة . والجواب : أن لام التعليل في أفعال اللّه تعالى محال ، لأنه تعالى لو فعل فعلًا لعلة لكانت تلك العلة ، إن كانت قديمة لزم قدم الفعل ، وإن كانت حادثة لزم التسلسل وهو محال . المسألة الثانية : قال الكعبي أيضا : هذه الآية تدل على أنه لا يجوز من اللّه تعالى أن يبدأ خلقهم في الجنة ، لأنه لو حسن إيصال تلك النعم إليهم من غير واسطة خلقهم في هذا العالم ومن غير واسطة تكليفهم ، لما كان خلقهم وتكليفهم معللا بإيصال تلك النعم إليهم ، وظاهر الآية يدل على ذلك .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 205 | فخر الدين الرازي