تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
الوجه الأول : روي أن طائفة من المشركين قالوا : إذا أغلقنا أبوابنا وأرسلنا ستورنا ، واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد ، فكيف يعلم بنا ؟ وعلى هذا التقدير : كان قوله :
يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ
كناية عن النفاق ، فكأنه قيل : يضمرون خلاف ما يظهرون ليستخفوا من اللَّه تعالى ، ثم نبه بقوله :
أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ
على أنهم يستخفون منه حين يستغشون ثيابهم . الوجه الثاني : روي أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول اللَّه ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه ، والتقدير كأنه قيل : إنهم يتصرفون عنه ليستخفوا منه حين يستغشون ثيابهم ، لئلا يسمعوا كلام رسول اللَّه وما يتلو من القرآن ، وليقولوا في أنفسهم ما يشتهون من الطعن . وقوله :
أَلا
للتنبيه ، فنبه أولا على أنهم ينصرفوا عنه ليستخفوا ثم كرر كلمة
أَلا
للتنبيه على ذكر الاستخفاء لينبه على وقت استخفائهم ، وهو حين يستغشون ثيابهم ، كأنه قيل : ألا إنهم ينصرفون عنه ليستخفوا من اللَّه ، ألا إنهم يستخفون حين يستغشون ثيابهم . ثم ذكر أنه لا فائدة لهم في استخفائهم بقوله :
يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ
.

[ سورة هود ( 11 ) : آية 6 ]

وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 6 ) اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أنه
يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ
أردفه بما يدل على كونه تعالى عالما بجميع المعلومات ، فثبت أن رزق كل حيوان إنما يصل إليه من اللَّه تعالى ، فلو لم يكن عالما بجميع المعلومات لما حصلت هذه المهمات ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الزجاج : الدابة اسم لكل حيوان ، لأن الدابة اسم مأخوذ من الدبيب ، وبنيت هذه اللفظة على هاء التأنيث ، وأطلق على كل حيوان ذي روح ذكرا كان أو أنثى ، إلا أنه بحسب عرف العرب اختص بالفرس ، والمراد بهذا اللفظ في هذه الآية الموضوع الأصلي اللغوي فيدخل فيه جميع الحيوانات ، وهذا متفق عليه بين المفسرين ، ولا شك أن أقسام الحيوانات / وأنواعها كثيرة ، وهي الأجناس التي تكون في البر والبحر والجبال ، واللَّه يحصيها دون غيره ، وهو تعالى عالم بكيفية طبائعها وأعضائها وأحوالها وأغذيتها وسمومها ومساكنها ، وما يوافقها وما يخالفها ، فالإله المدبر لإطباق السماوات والأرضين ؛ وطبائع الحيوان والنبات ، كيف لا يكون عالما بأحوالها ؟ روي أن موسى عليه السلام عند نزول الوحي إليه تعلق قلبه بأحوال أهله ، فأمره اللَّه تعالى أن يضرب بعصاه على صخرة فانشقت وخرجت صخرة ثانية . ثم ضرب بعصاه عليها فانشقت وخرجت صخرة ثالثة ، ثم ضربها بعصاه فانشقت فخرجت منها دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها ، ورفع الحجاب عن سمع موسى عليه السلام فسمع الدودة تقول : سبحان من يراني ، ويسمع كلامي ، ويعرف مكاني ، ويذكرني ولا ينساني . المسألة الثانية : تعلق بعضهم بأنه يجب على اللَّه تعالى بعض الأشياء بهذه الآية وقال : إن كلمة ( على ) للوجوب ، وهذا يدل على أن إيصال الرزق إلى الدابة واجب على اللَّه . وجوابه : أنه واجب بحسب الوعد والفضل والإحسان . المسألة الثالثة : تعلق أصحابنا بهذه الآية في إثبات أن الرزق قد يكون حراما ، قالوا لأنه ثبت أن إيصال الرزق إلى كل حيوان واجب على اللَّه تعالى بحسب الوعد وبحسب الاستحقاق ، واللَّه تعالى لا يحل بالواجب ، ثم قد نرى