المسألة السابعة : قال صاحب « الكشاف » قوله :
مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
يحتمل وجوها : الأول : أنا ذكرنا أن قوله :
كِتابٌ
خبر و
أُحْكِمَتْ
صفة لهذا الخبر ، وقوله :
مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
صفة ثانية والتقدير :
الر كتاب من لدن حكيم خبير . والثاني : أن يكون خبرا بعد خبر والتقدير : الر من لدن حكيم خبير . والثالث :
أن يكون ذلك صفة لقوله : ( أحكمت ، وفصلت ) أي أحكمت وفصلت من لدن حكيم خبير ، وعلى هذا التقدير فقد حصل بين أول هذه الآية وبين آخرها نكتة لطيفة كأنه يقول أحكمت آياته من لدن حكيم وفصلت من لدن خبير عالم بكيفيات الأمور .
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 2 إلى 4 ]
أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ( 2 ) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ( 3 ) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 4 )
[ في قوله تعالى
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
] اعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن في قوله :
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
وجوها : الأول : أن يكون مفعولا له والتقدير :
كتاب أحكمت آياته ثم فصلت لأجل ألا تعبدوا إلا اللَّه وأقول هذا التأويل يدل على أنه لا مقصود من هذا الكتاب الشريف إلا هذا الحرف الواحد ، فكل من صرف عمره إلى سائر المطالب ، فقد خاب وخسر . الثاني : أن تكون ( أن ) مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول والحمل على هذا أولى ، لأن قوله :
وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا
معطوف على قوله :
أَلَّا تَعْبُدُوا
فيجب أن يكون معناه : أي لا تعبدوا ليكون الأمر معطوفا على النهي ، فإن كونه بمعنى لئلا تعبدوا يمنع عطف الأمر عليه . والثالث : أن يكون التقدير : الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ليأمر الناس أن لا يعبدوا إلا اللَّه ويقول لهم ، إنني لكم منه نذير وبشير واللَّه أعلم .
المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآية مشتملة على التكليف من وجوه : الأول : أنه تعالى أمر بأن لا يعبدوا إلا اللَّه ، وإذا قلنا : الاستثناء من النفي إثبات ، كان معنى هذا الكلام النهي عن عبادة غير اللَّه تعالى ، والأمر بعبادة اللَّه تعالى ، وذلك هو الحق ، لأنا بينا أن ما سوى اللَّه فهو محدث مخلوق مربوب ، وإنما حصل بتكوين اللَّه وإيجاده ، والعبادة عبارة عن إظهار الخضوع والخشوع ونهاية التواضع والتذلل وهذا لا يليق إلا بالخالق المدبر الرحيم المحسن ، فثبت أن عبادة غير اللَّه منكرة ، والإعراض عن عبادة اللَّه منكر .
واعلم أن عبادة اللَّه مشروطة بتحصيل معرفة اللَّه تعالى قبل العبادة ، لأن من لا يعرف معبوده لا ينتفع بعبادته فكان الأمر بعبادة اللَّه أمرا بتحصيل المعرفة أولا ونظيره قوله تعالى في أول سورة البقرة :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
[ البقرة : 21 ] ثم أتبعه بالدلائل الدالة على وجود الصانع وهو قوله :
الَّذِي / خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
[ البقرة : 21 ] إنما حسن ذلك لأن الأمر بالعبادة يتضمن الأمر بتحصيل المعرفة فلا جرم ذكر ما يدل على تحصيل المعرفة .
ثم قال :
إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ
وفيه مباحث :