تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
الجواب : الأخبار دالة على أن قائل هذا القول هو جبريل ، وإنما ذكر قوله :
وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
في مقابلة قوله :
وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ
ومن الناس من قال : إن قائل هذا القول هو اللَّه تعالى ، لأنه ذكر بعده
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ
إلى قوله :
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ
وهذا الكلام ليس إلا كلام اللَّه تعالى . السؤال الثاني : ظاهر اللفظ يدل على أنه إنما لم تقبل توبته للمعصية المتقدمة والفساد السابق ، وصحة هذا التعليل لا تمنع من قبول التوبة . والجواب : مذهب أصحابنا أن قبول التوبة غير واجب عقلا ، وأحد دلائلهم على صحة ذلك هذه الآية . وأيضا فالتعليل ما وقع بمجرد المعصية السابقة ، بل بتلك المعصية مع كونه من المفسدين . السؤال الثالث : هل يصح أن جبريل عليه السلام أخذ يملأ فمه من الطين لئلا يتوب غضبا عليه . والجواب : الأقرب أنه لا يصح ، لأن في تلك الحالة إما أن يقال التكليف كان ثابتا أو ما كان ثابتا ، فإن كان ثابتا لم يجز على جبريل عليه السلام أن يمنعه من التوبة ، بل يجب عليه أن يعينه على التوبة وعلى كل طاعة ، لقوله تعالى :
وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
[ المائدة : 2 ] وأيضا فلو منعه بما ذكروه لكانت التوبة ممكنة ، لأن الأخرس قد يتوب بأن يندم بقلبه ويعزم على ترك معاودة القبيح ، وحينئذ لا يبقى لما فعله جبريل عليه السلام فائدة ، وأيضا لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر ، والرضا بالكفر كفر ، وأيضا فكيف يليق باللَّه تعالى أن يقول لموسى وهارون عليهما السلام :
فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
[ طه : 44 ] ثم يأمر جبريل عليه السلام بأن يمنعه من الإيمان ، ولو قيل : إن جبريل عليه السلام إنما فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر اللَّه تعالى ، فهذا يبطله قول جبريل
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ
[ مريم : 64 ] وقوله تعالى في صفتهم :
وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ
[ الأنبياء : 28 ] وقوله :
لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
[ الأنبياء : 27 ] وأما إن قيل : إن التكليف كان زائلا عن فرعون في ذلك الوقت ، فحينئذ لا يبقى لهذا الفعل الذي نسب جبريل إليه فائدة أصلا . ثم قال تعالى :
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ
وفيه وجوه : الأول :
نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ
أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع . الثاني : نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ، ولكن بعد أن تغرق . وقوله :
بِبَدَنِكَ
في موضع الحال ، أي في الحال التي أنت فيه حينئذ لا روح فيك . الثالث : أن هذا وعد له بالنجاة على سبيل التهكم ، كما في قوله :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ *
[ آل عمران : 21 ] كأنه قيل له ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك ، ومثل هذا الكلام قد / يذكر على سبيل الاستهزاء كما يقال : نعتقك ولكن بعد الموت ، ونخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت . الرابع : قرأ بعضهم
نُنَجِّيكَ
بالحاء المهملة ، أي نلقيك بناحية مما يلي البحر ، وذلك أنه طرح بعد الغرق بجانب من جوانب البحر . قال كعب : رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور . وأما قوله :
بِبَدَنِكَ
ففيه وجوه : الأول : ما ذكرنا أنه في موضع الحال ، أي في الحال التي كنت بدنا محضا من غير روح . الثاني : المراد ننجيك ببدنك كاملا سويا لم تتغير . الثالث :
نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ
أي نخرجك من البحر عريانا من غير لباس . الرابع :
نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ
أي بدرعك ، قال الليث : البدن هو الدرع الذي يكون قصير الكمين ، فقوله :
بِبَدَنِكَ
أي بدرعك ، وهذا منقول عن ابن عباس قال : كان عليه درع من ذهب يعرف