يصدر إلا من الجهال ، وهذا كما قال لنوح عليه السلام :
إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
[ هود : 46 ] .
واعلم أن هذا النهي لا يدل على أن ذلك قد صدر من موسى عليه السلام كما أن قوله :
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
[ الزمر : 65 ] لا يدل على صدور الشرك منه .
البحث الثاني : قال الزجاج : قوله :
وَلا تَتَّبِعانِّ
موضعه جزم ، والتقدير : ولا تتبعا ، إلا أن النون الشديدة دخلت على النهي مؤكدة وكسرت لسكونها ، وسكون النون التي قبلها فاختير لها الكسرة ، لأنها بعد الألف تشبه نون التثنية ، وقرأ ابن عامر
وَلا تَتَّبِعانِّ
بتخفيف النون .
[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 90 إلى 92 ]
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 90 ) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ( 91 ) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ ( 92 )
[ في قوله تعالى
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ
إلى قوله
وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ
] اعلم أن تفسير اللفظ في قوله :
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ
[ الأعراف : 138 ] مذكور في سورة الأعراف ، والمعنى : أنه تعالى لما أجاب دعاءهما أمر بني إسرائيل بالخروج من مصر في الوقت المعلوم ويسر لهم أسبابه ، وفرعون كان غافلا عن ذلك ، فلما سمع أنهم خرجوا وعزموا على مفارقة مملكته خرج على عقبهم وقوله :
فَأَتْبَعَهُمْ
أي لحقهم يقال : أتبعه حتى لحقه ، وقوله :
بَغْياً وَعَدْواً
البغي طلب الاستعلاء بغير حق ، والعدو الظلم ،
روي أن موسى عليه السلام لما خرج مع قومه وصلوا إلى طرف البحر وقرب فرعون مع عسكره منهم ، فوقعوا في خوف شديد ، لأنهم صاروا بين بحر مغرق وجند مهلك ، فأنعم اللَّه عليهم بأن أظهر لهم طريقا في البحر على ما ذكر اللَّه تعالى هذه القصة بتمامها في سائر السور ، ثم إن موسى عليه السلام مع أصحابه دخلوا وخرجوا وأبقى اللَّه تعالى ذلك الطريق يبسا ، ليطمع فرعون وجوده في التمكن من العبور ، فلما دخل مع جمعه أغرقه اللَّه تعالى بأن أوصل أجزاء الماء ببعضها وأزال الفلق ،
فهو معنى قوله :
فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ
وبين ما كان في قلوبهم من البغي وهي محبة الإفراط في قتلهم وظلمهم ، والعدو وهو تجاوز الحد ، ثم ذكر تعالى أنه لما أدركه الغرق أظهر كلمة الإخلاص ظنا منه أنه ينجيه من تلك الآفة وهاهنا سؤالان :
السؤال الأول : أن الإنسان إذا وقع في الغرق لا يمكنه أن يتلفظ بهذا اللفظ فكيف حكى اللَّه تعالى عنه أنه ذكر ذلك ؟
والجواب : من وجهين : الأول : أن مذهبنا أن الكلام الحقيقي هو كلام النفس لا كلام اللسان فهو إنما ذكر هذا الكلام بالنفس ، لا بكلام اللسان ، ويمكن أن يستدل بهذه الآية على إثبات كلام النفس لأنه تعالى حكى عنه أنه قال هذا الكلام ، وثبت بالدليل أنه ما قاله باللسان ، فوجب الاعتراف بثبوت كلام غير كلام اللسان وهو المطلوب . الثاني : أن يكون المراد من الغرق مقدماته .
السؤال الثاني : أنه آمن ثلاث مرات أولها قوله :
آمَنْتُ
وثانيها قوله :
لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ
وثالثها قوله :
وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ
فما السبب في عدم القبول واللَّه تعالى متعال عن أن يلحقه غيظ