طعام إلا التمر »
و
ذكروا أن جبريل أتاه وهو جائع فقال هذه أسماء قد أتت بحيس ، ففرح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بذلك وأخبر به أبا بكر ولما أمر اللّه رسوله بالخروج إلى المدينة أظهره لأبي بكر ، فأمر ابنه عبد الرحمن أن يشتري جملين ورحلين وكسوتين ، ويفصل أحدهما للرسول عليه الصلاة والسلام فلما قربا من المدينة وصل الخبر إلى الأنصار فخرجوا مسرعين ، فخاف أبو بكر أنهم لا يعرفون الرسول عليه الصلاة والسلام فألبس رسول اللّه ثوبه ، ليعرفوا أن الرسول هو هو ، فلما دنوا خروا له سجدا فقال لهم : « اسجدوا لربكم وأكرموا أخا لكم » ثم أناخت ناقته بباب أبي أيوب روينا هذه الروايات من تفسير أبي بكر الأصم .
الوجه الثاني عشر : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم حين دخل المدينة ما كان معه إلا أبو بكر ، والأنصار ما رأوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أحدا إلا أبا بكر ، وذلك يدل على أنه كان يصطفيه لنفسه من بين أصحابه في السفر والحضر ، وأن أصحابنا زادوا عليه وقالوا : لما لم يحضر معه في ذلك السفر أحد إلا أبو بكر ، فلو قدرنا أنه توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره إلا أبو بكر وأن لا يكون وصيه على أمته إلا أبو بكر ، وأن لا يبلغ ما حدث من الوحي والتنزيل في ذلك الطريق إلى أمته إلا أبو بكر ، وكل ذلك يدل على الفضائل العالية والدرجات الرفيعة لأبي بكر .
واعلم أن الروافض احتجوا بهذه الآية وبهذه الواقعة على الطعن في أبي بكر من وجوه ضعيفة حقيرة جارية مجرى إخفاء الشمس بكف من الطين : فالأول : قالوا إنه عليه الصلاة والسلام قال لأبي بكر :
لا تَحْزَنْ
فذلك الحزن إن كان حقا فكيف نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عنه ؟ وإن كان خطأ ، لزم أن يكون أبو بكر مذنبا وعاصيا في ذلك الحزن ، والثاني : قالوا يحتمل أن يقال : إنه استخلصه لنفسه لأنه كان يخاف منه أنه لو تركه في مكة أن يدل الكفار عليه ، وأن يوقفهم على أسراره ومعانيه ، فأخذه مع نفسه دفعا لهذا الشر . والثالث :
وإن دلت هذه الحالة على فضل أبي بكر إلا أنه أمر عليا بأن يضطجع على فراشه ، ومعلوم أن الاضطجاع على فراش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في مثل تلك الليلة الظلماء مع كون الكفار قاصدين قتل رسول اللّه تعريض النفس للفداء ، فهذا العمل من علي ، أعلى وأعظم من كون أبي بكر صاحبا للرسول ، فهذه جملة ما ذكروه في ذلك الباب .
والجواب عن الأول : أن أبا علي الجبائي لما حكى عنهم تلك الشبهة ، قال : فيقال لهم يجب في قوله تعالى لموسى عليه السلام :
لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى
[ طه : 68 ] أن يدل على أنه كان عاصيا في خوفه ، وذلك طعن في الأنبياء ، ويجب في قوله تعالى في إبراهيم ، حيث قالت الملائكة له :
لا تَخَفْ
[ هود : 69 ] في قصة العجل المشوي مثل ذلك ، وفي قولهم لوط :
لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ
[ العنكبوت : 33 ] مثل ذلك .
فإذا قالوا : إن ذلك الخوف إنما حصل بمقتضى البشرية ، وإنما ذكر اللّه تعالى ذلك في قوله :
لا تَخَفْ
ليفيد الأمن ، وفراغ القلب .
قلنا لهم في هذه المسألة كذلك .
فإن قالوا : أليس إنه تعالى قال :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
[ المائدة : 67 ] فكيف خاف مع سماع هذه الآية ؟ فنقول : هذه الآية إنما نزلت في المدينة ، وهذه الواقعة سابقة على نزولها ، وأيضا فهب أنه كان آمنا على عدم القتل ، ولكنه ما كان آمنا من الضرب ، والجرح والإيلام الشديد والعجب منهم ، فإنا لو قدرنا أن أبا بكر