فالقول الأول : أن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيل اللّه وعد ثابت ، فقد أثبته اللّه في التوراة والإنجيل كما أثبته في القرآن .
والقول الثاني : المراد أن اللّه تعالى بين في التوراة والإنجيل أنه اشترى من أمة محمد عليه الصلاة والسلام أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، كما بين في القرآن .
والقول الثالث : أن الأمر بالقتال والجهاد هو موجود في جميع الشرائع .
ثم قال تعالى :
وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ
والمعني : أن نقض العهد كذب . وأيضا أنه مكر وخديعة ، وكل ذلك من القبائح ، وهي قبيحة من الإنسان مع احتياجه إليها ، فالغني عن كل الحاجات أولى أن يكون منزها عنها . وقوله :
وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ
استفهام بمعنى الإنكار ، أي لا أحد أوفى بما وعد من اللّه .
ثم قال :
فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
واعلم أن هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيدات : فأولها : قوله :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ
فيكون المشتري هو اللّه المقدس عن الكذب والخيانة ، وذلك من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد . والثاني : أنه عبر عن إيصال هذا الثواب بالبيع والشراء ، وذلك حق مؤكد . وثالثها : قوله :
وَعْداً
ووعد اللّه حق . ورابعها : قوله :
عَلَيْهِ
وكلمة « على » للوجوب . وخامسها : قوله :
حَقًّا
وهو التأكيد للتحقيق . وسادسها : قوله :
فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ
وذلك يجري مجرى إشهاد جميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل على هذه المبايعة .
وسابعها : قوله :
وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ
وهو غاية في التأكيد . وثامنها : قوله :
فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ
وهو أيضا مبالغة في التأكيد . وتاسعها : قوله :
وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
وعاشرها : قوله :
الْعَظِيمُ
فثبت اشتمال هذه الآية على هذه الوجوه العشرة في التأكيد والتقرير والتحقيق . ونختم الآية بخاتمة وهي أن أبا القاسم البلخي استدل بهذه الآية على أنه لا بد من حصول الأعواض عن آلام الأطفال والبهائم . قال لأن الآية دلت على أنه لا يجوز إيصال ألم القتل وأخذ الأموال إلى البالغين إلا بثمن هو الجنة ، فلا جرم قال :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
فوجب أن يكون الحال كذلك في الأطفال والبهائم ، ولو جاز عليهم التمني لتمنوا أن آلامهم تتضاعف حتى تحصل لهم تلك / الأعواض الرفيعة الشريفة ، ونحن نقول : لا ننكر حصول الخيرات للأطفال والحيوانات في مقابلة هذه الآلام ، وإنما الخلاف وقع في أن ذلك العوض عندنا غير واجب ، وعندكم واجب ، والآية ساكتة عن بيان الوجوب .
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 112 ]
التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 112 )
اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أنه
اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
بين في هذه الآية أن أولئك المؤمنين هم الموصوفون بهذه الصفات التسعة . وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في رفع قوله :
التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ
وجوه : الأول : أنه رفع على المدح ، والتقدير : هم التائبون ، يعني المؤمنين المذكورين في قوله :
اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
هم