تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 107 ]

وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 107 ) اعلم أنه تعالى لما ذكر أصناف المنافقين وطرائقهم المختلفة قال :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ
وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر
الَّذِينَ اتَّخَذُوا
بغير واو ، وكذلك هو في مصاحف أهل المدينة ، والباقون بالواو ، وكذلك هو في مصاحف مكة والعراف . فالأول : على أنه بدل من قوله :
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ
والثاني : أن يكون التقدير : ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا . المسألة الثانية : قال الواحدي : قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير رضي اللّه عنهم : الذين اتخذوا مسجدا ضرارا كانوا اثني عشر رجلا من المنافقين بنوا مسجدا يضارون به مسجد قباء ، وأقول إنه تعالى وصفه بصفات أربعة : الصفة الأولى : ضرارا ، والضرار محاولة الضر ، كما أن الشقاق محاولة ما يشق . قال الزجاج : وانتصب قوله :
ضِراراً
لأنه مفعول له ، والمعنى : اتخذوه للضرار ولسائر الأمور المذكورة بعده ، فلما حذفت اللام اقتضاه الفعل فنصب . قال وجائز أن يكون مصدرا محمولا على المعنى ، والتقدير : اتخذوا مسجدا ضروا به ضرارا . والصفة الثانية : قوله :
وَكُفْراً
قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : يريد به ضرارا للمؤمنين وكفرا بالنبي عليه السلام ، وبما جاء به . وقال غيره اتخذوه ليكفروا فيه بالطعن على النبي عليه السلام والإسلام . والصفة الثالثة : قوله :
وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ
أي يفرقون بواسطته جماعة المؤمنين ، وذلك لأن المنافقين قالوا نبني مسجدا فنصلي فيه ، ولا نصلي خلف محمد ، فأن أتانا فيه صلينا معه . وفرقنا بينه وبين الذين يصلون في مسجده ، فيؤدى ذلك إلى اختلاف الكلمة ، وبطلان الألفة . والصفة الرابعة : قوله :
وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
قالوا : المراد أبو عامر الراهب ، والد حنظلة الذي غسلته الملائكة ، وسماه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الفاسق ، وكان قد تنصر في الجاهلية ، وترهب وطلب العلم ، فلما خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عاداه ، لأنه زالت رئاسته / وقال : لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم ، ولم يزل يقاتله إلى يوم حنين ، فلما انهزمت هوازن خرج إلى الشأم ، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح ، وابنوا لي مسجدا فإني ذاهب إلى قيصر ، وآت من عنده بجند ، فأخرج محمدا وأصحابه . فبنوا هذا المسجد ، وانتظروا مجيء أبي عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد . قال الزجاج : الإرصاد الانتظار . وقال ابن قتيبة : الإرصاد الانتظار مع العداوة . وقال الأكثرون : الإرصاد ، الأعداد . قال تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
[ الفجر : 14 ] وقوله :
مِنْ قَبْلُ
يعني من قبل بناء مسجد الضرار ، ثم إنه تعالى لما وصف هذا المسجد بهذه الصفات الأربعة قال :
وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى
أي ليحلفن ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى وهو الرفق الصفات الأربعة قال :
وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى
أي ليحلفن ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى وهو الرفق بالمسلمين في التوسعة على أهل الضعف والعلة والعجز ، عن المصير إلى مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وذلك أنهم
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 146 | فخر الدين الرازي