تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
والجواب : أن التكاليف مبنية على الظاهر قال عليه الصلاة والسلام : « نحن نحكم بالظاهر واللّه تعالى يتولى السرائر » . السؤال الثالث : قوله :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
تصريح بكون ذلك النهي معللا بهذه العلة ، وذلك يقتضي تعليل حكم اللّه تعالى وهو محال ، لأن حكم اللّه قديم ، وهذه العلة محدثة ، وتعليل القديم بالمحدث محال . والجواب : الكلام في أن تعليل حكم اللّه تعالى بالمصالح هل يجوز أم لا ؟ بحث طويل ، ولا شك أن هذا الظاهر يدل عليه .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 85 ]

وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ( 85 ) اعلم أن هذه الآية قد سبق ذكرها بعينها في هذه السورة وذكرت هاهنا ، وقد حصل التفاوت بينهما في ألفاظ : فأولها : في الآية المتقدمة قال :
فَلا تُعْجِبْكَ
بالفاء . وههنا قال :
وَلا تُعْجِبْكَ
بالواو وثانيها : أنه قال هناك
أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ
وهاهنا كلمة ( لا ) محذوفة . وثالثها : أنه قال هناك
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ
وهاهنا حذف اللام وأبدلها بكلمة ( أن ) ورابعها : أنه قال هناك
فِي الْحَياةِ
وهاهنا حذف لفظ الحياة وقال :
فِي الدُّنْيا
فقد حصل التفاوت بين هاتين الآيتين من هذه الوجوه الأربعة ، فوجب علينا أن نذكر فوائد هذه الوجوه الأربعة في التفاوت ، ثم نذكر فائدة هذا التكرير . أما المقام الأول : فنقول : أما النوع الأول : من التفاوت وهو أنه تعالى ذكر قوله :
فَلا تُعْجِبْكَ
بالفاء في الآية الأولى وبالواو في الآية الثانية ، فالسبب أن في الآية الأولى إنما ذكر هذه الآية بعد قوله :
وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ
وصفهم بكونهم كارهين للإنفاق ، وإنما كرهوا ذلك الإنفاق لكونهم معجبين / بكثرة تلك الأموال . فلهذا المعنى نهاه اللّه عن ذلك الإعجاب بفاء التعقيب ، فقال :
فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ
وأما هاهنا فلا تعلق لهذا الكلام بما قبله فجاء بحرف الواو . وأما النوع الثاني : وهو أنه تعالى قال في الآية الأولى :
فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ
فالسبب فيه أن مثل هذا الترتيب يبتدأ بالأدون ثم يترقى إلى الأشرف ، فيقال لا يعجبني أمر الأمير ولا أمر الوزير ، وهذا يدل على أنه كان إعجاب أولئك الأقوام بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم ، وفي هذه الآية يدل على عدم التفاوت بين الأمرين عندهم . أما النوع الثالث : وهو أنه قال هناك :
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ
وهاهنا قال :
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ
فالفائدة فيه التنبيه على أن التعليل في أحكام اللّه تعالى محال ، وأنه أينما ورد حرف التعليل فمعناه « أن » كقوله :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ
[ البينة : 5 ] أي وما أمروا إلا بأن يعبدوا اللّه . وأما النوع الرابع : وهو أنه ذكر في الآية الأولى
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
وهاهنا ذكر
فِي الدُّنْيا
وأسقط لفظ الحياة ، تنبيها على أن الحياة الدنيا بلغت في الخسة إلى أنها لا تستحق أن تسمى حياة ، بل يجب الاقتصار عند