المسألة الثالثة : قوله :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها
سؤال عن وقت قيام الساعة وقوله ثانياً :
يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها
سؤال عن كنه ثقل الساعة وشدتها ومهابتها ، فلم يلزم التكرار :
أجاب عن الأول بقوله :
إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي
.
وأجاب عن الثاني بقوله :
إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ
والفرق بين الصورتين أن السؤال الأول كان واقعاً عن وقت قيام الساعة . والسؤال الثاني كان واقعاً عن مقدار شدتها ومهابتها ، وأعظم أسماء اللَّه مهابة وعظمة هو قوله عند السؤال عن مقدار شدة القيامة الاسم الدال على غاية المهابة ، وهو قولنا اللَّه ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله :
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
وفيه وجوه : أحدها : ولكن أكثر الناس لا يعلمون السبب الذي لأجله أخفيت معرفة وقته المعين عن الخلق .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 188 ]
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 188 )
[ في قوله تعالى
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ
] في الآية مسائل :
المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه : الأول : أن قوله :
لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا
أي أنا لا أدعي علم الغيب إن أنا إلا نذير وبشير ، ونظيره قوله تعالى في سورة يونس :
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ
[ يونس : 48 ، 49 ] الثاني :
روي أن أهل مكة قالوا : يا محمد ألا يخبرك ربك بالرخص والغلاء حتى نشتري فنربح ، وبالأرض التي تجدب لنرتحل إلى الأرض الخصبة . فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية : الثالث :
قال بعضهم : لما رجع عليه الصلاة والسلام من غزوة بني المصطلق جاءت ريح في الطريق ففرت الدواب منها ، فأخبر النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم بموت رفاعة بالمدينة وكان فيه غيظ للمنافقين . وقال انظروا أين ناقتي ، فقال عبد اللَّه بن أبي مع قومه ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته . فقال عليه الصلاة والسلام : « إن ناساً من المنافقين . قالوا كيت وكيت وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة » فوجدها على ما قال ، فأنزل اللَّه تعالى :
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
.
المسألة الثانية : اعلم أن القوم لما طالبوه بالإخبار عن الغيوب وطالبوه بإعطاء الأموال الكثيرة والدولة العظيمة ذكر أن قدرته قاصرة وعلمه قليل ، وبين أن كل من كان عبداً كان كذلك والقدرة الكاملة والعلم المحيط ليسا إلا للَّه تعالى ، فالعبد كيف يحصل له هذه القدرة ، وهذا العلم ؟ واحتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله تعالى :
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
والإيمان نفع والكفر ضر ، فوجب أن لا يحصلا إلا بمشيئة اللَّه تعالى ، وذلك يدل على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بمشيئة اللَّه سبحانه ، وتقريره ما ذكرناه مراراً أن القدرة على / الكفر إن لم تكن صالحة للإيمان ، فخالق تلك القدرة يكون مريداً للكفر ، وإن كانت صالحة للإيمان ، فخالق تلك القدرة يكون مريداً للكفر ، وإن كانت صالحة للإيمان امتنع صدور الكفر عنها بدلًا عن الإيمان إلا عند حدوث داعية جازمة ، فخالق تلك الداعية الجازمة يكون مريداً للكفر ، فثبت أن على جميع التقادير : لا يملك العبد لنفسه نفعاً ولا ضرًا إلا ما شاء اللَّه .