تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
فإن قال قائل : فهل يصح أن يقال : إن المذكور في هذه الآية كان نبياً ، ثم صار كافراً ؟ قلنا : هذا بعيد ، لأنه تعالى قال :
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
[ الأنعام : 124 ] وذلك يدل على أنه تعالى لا يشرف عبداً من عبيده بالرسالة ، إلا إذا علم امتيازه عن سائر العبيد بمزيد الشرف ، والدرجات العالية ، والمناقب العظيمة ، فمن كان هذا حاله ، فكيف يليق به الكفر ؟ أما قوله تعالى :
آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها
ففيه قولان : القول الأول :
آتَيْناهُ آياتِنا
يعني : علمناه حجج التوحيد ، وفهمناه أدلته ، حتى صار عالماً بها
فَانْسَلَخَ مِنْها
أي خرج من محبة اللَّه إلى معصيته ، ومن رحمة اللَّه إلى سخطه ، ومعنى انسلخ : خرج منها . يقال لكل من فارق شيئاً بالكلية انسلخ منه . والقول الثاني : ما ذكره أبو مسلم رحمه اللَّه ، فقال قوله :
آتَيْناهُ آياتِنا
أي بيناها فلم يقبل وعرى منها ، وسواء قولك : انسلخ ، وعرى ، وتباعد ، وهذا يقع على كل كافر لم يؤمن بالأدلة ، وأقام على الكفر ، ونظيره قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً
[ النساء : 47 ] وقال في حق فرعون :
وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى
[ طه : 56 ] وجائز أن يكون هذا الموصوف فرعون ، فإنه تعالى أرسل إليه موسى وهارون ، فأعرض وأبى ، وكان عادياً ضالًا متبعاً للشيطان . واعلم أن حاصل الفرق بين القولين : هو أن هذا الرجل في القول الأول ، كان عالماً بدين اللَّه وتوحيده ، ثم خرج منه ، وعلى القول الثاني لما آتاه اللَّه الدلائل والبينات امتنع من قبولها ، والقول الأول أولى ، لأن قوله انسلخ منها يدل على أنه كان فيها ثم خرج منها ، وأيضاً فقد ثبت بالأخبار أن هذه الآية إنما نزلت في إنسان كان عالماً بدين اللَّه تعالى ، ثم خرج منه إلى الكفر والضلال . أما قوله :
فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ
ففيه وجوه : الأول : أتبعه الشيطان كفار الإنس وغواتهم ، أي الشيطان جعل كفار الإنس أتباعاً له . والثاني : قال عبد اللَّه بن مسلم
فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ
أي أدركه . يقال : أتبعت القوم . أي لحقتهم . قال أبو عبيدة : ويقال : أتبعت القوم ، مثال : أفعلت إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم . ويقال : ما زلت أتبعهم حتى أتبعتهم . أي حتى أدركتهم . وقوله
فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ
أي أطاع الشيطان فكان من الظالمين . قال أهل المعاني : المقصود منه بيان أن من أوتي الهدى ، فانسلخ منه إلى الضلال والهوى والعمى ، ومال إلى الدنيا ، حتى تلاعب به الشيطان كان منتهاه إلى البوار والردى ، وخاب في الآخرة والأولى ، فذكر اللَّه قصته ليحذر الناس عن مثل حالته . وقوله :
وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها
قال أصحابنا معناه : ولو شئنا رفعناه للعمل بها ، فكان يرفع بواسطة تلك الأعمال الصالحة منزلته ، ولفظة ( لو ) تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، فهذا يدل على أنه تعالى قد لا يريد الإيمان ، وقد يريد الكفر . وقالت المعتزلة : لفظ الآية يحتمل وجوهاً أخرى سوى هذا الوجه . فالأول : قال الجبائي معناه : ولو شئنا لرفعناه بأعماله ، بأن نكرمه ، ونزيل التكليف عنه ، قبل ذلك الكفر حتى نسلم له الرفعة ، لكنا رفعناه بزيادة التكليف بمنزلة زائدة ، فأبى أن يستمر على الإيمان . الثاني : لو شئنا لرفعناه ، بأن نحول بينه وبين الكفر ، قهراً وجبراً ، إلا أن ذلك ينافي التكليف . فلا جرم تركناه مع اختياره . والجواب عن الأول : أن حمل الرفعة على الإماتة بعيد ، وعن الثاني : أنه تعالى إذا منعه منه قهراً ، لم يكن