تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
وذلك الفلان فلان آخر ، فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم ويميز بعضهم من بعض ، وأما أنه تعالى يخرج كل تلك الذرية من صلب آدم ، فليس في لفظ الآية ما يدل على ثبوته وليس في الآية أيضاً ما يدل على بطلانه ، إلا أن الخبر قد دل عليه ، فثبت إخراج الذرية من ظهور / بني آدم بالقرآن ، وثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخبر ، وعلى هذا التقدير : فلا منافاة بين الأمرين ولا مدافعة ، فوجب المصير إليهما معاً . صوناً للآية . والخبر عن الطعن بقدر الإمكان ، فهذا منتهى الكلام في تقرير هذا المقام . المسألة الثانية : قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو ذرياتهم بالألف على الجمع والباقون
ذُرِّيَّتَهُمْ
على الواحد . قال الواحدي : الذرية تقع على الواحد والجمع . فمن أفرد فإنه قد استغنى عن جمعه بوقوعه على الجمع فصار كالبشر فإنه يقع على الواحد كقوله :
ما هذا بَشَراً
وعلى الجمع كقوله :
أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا
[ التغابن : 6 ] وقوله :
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا
وكما لم يجمع بشر بتصحيح ولا تكسير كذلك لا يجمع الذرية ومن جمع قال : إن الذرية وإن كان واحداً فلا إشكال في جواز الجمع فيه ، وإن كان جمعاً فجمعه أيضاً حسن ، لأنك قد رأيت الجموع المكسرة قد جمعت . نحو الطرقات والجدرات ، وهو اختيار يونس أما قوله تعالى :
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
فنقول : أما على قول من أثبت الميثاق الأول فكل هذه الأشياء محمولة على ظواهرها ، وأما على قول من أنكره قال : إنها محمولة على التمثيل ، والمعنى : أنه تعالى نصب لهم الأدلة على ربوبيته ، وشهدت بها عقولهم ، فصار ذلك جارياً مجرى ما إذا أشهدهم على أنفسنا وإقرارنا بوحدانيته ، أما قوله :
شَهِدْنا
ففيه قولان : القول الأول : أنه من كلام الملائكة ، وذلك لأنهم لما قالوا
بَلى
قال اللَّه للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا ، وعلى هذا القول يحسن الوقف على قوله :
قالُوا بَلى
لأن كلام الذرية قد انقطع هاهنا وقوله :
أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ
تقريره : أن الملائكة قالوا شهدنا عليهم بالإقرار ، لئلا يقولوا ما أقررنا ، فأسقط كلمة « لا » كما قال :
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ *
[ النحل : 15 ] يريد لئلا تميد بكم ، هذا قول الكوفيين ، وعند البصريين تقريره : شهدنا كراهة أن يقولوا . والقول الثاني : أن قوله :
شَهِدْنا
من بقية كلام الذرية ، وعلى هذا التقرير ، فقوله :
أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ
متعلق بقوله :
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ
والتقدير : وأشهدهم على أنفسهم ، بكذا وكذا ، لئلا يقولوا يوم القيامة
إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ
أو كراهية أن يقولوا ذلك وعلى هذا التقدير ، فلا يجوز الوقف عند قوله :
شَهِدْنا
لأن قوله : أن يقولوا متعلق بما قبله وهو قوله :
وَأَشْهَدَهُمْ
فلم يجز قطعه منه . واختلف القراء في قوله : أن يقولوا أو
تَقُولُوا
: فقرأ أبو عمرو بالياء جميعاً ، لأن الذي تقدم من الكلام على الغيبة وهو قوله :
مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ
. . . -
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ
لئلا يقولوا وقرأ الباقون بالتاء ، لأنه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا
وكلا الوجهين حسن ، لأن الغائبين هم المخاطبون في المعنى . أما قوله :
أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ
قال المفسرون : المعنى أن المقصود من هذا الإشهاد أن لا يقول الكفار إنما أشركنا ، لأن آباءنا أشركوا ، فقلدناهم في ذلك الشرك ، وهو المراد من قوله :
أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ
والحاصل : أنه تعالى لما أخذ عليهم الميثاق امتنع عليهم التمسك بهذا القدر . وأما الذين