تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
من العذاب العاجل ، ثم ذكر ما يجري العلة في العقاب الذي أنزله بهم ، فقال :
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله :
لَمْ يَكُ
أكثر النحويين يقولون إنما حذفت النون . لأنها لم تشبه الغنة المحضة ، فأشبهت حروف اللين ووقعت طرفاً ، فحذفت تشبيهاً بها كما تقول لم يدع ولم يرم ولم يل وقال الواحدي : وهذا ينتقض بقولهم لم يزن ولم يخن فلم يسمع حذف النون هاهنا . وأجاب علي بن عيسى عنه . فقال إن كان ويكون أم الأفعال من أجل أن كل فعل قد حصل / فيه معنى كان فقولنا ضرب معناه كان ضرب ويضرب معناه يكون ضرب ، وهكذا القول في الكل فثبت أن هذه الكلمة أم الأفعال . فاحتيج إلى استعمالها في أكثر الأوقات ، فاحتمك هذا الحذف بخلاف قولنا لم يخن ولم يزن ، فإنه لا حاجة إلى ذكرها كثيراً فظهر الفرق . واللَّه أعلم . المسألة الثانية : قال القاضي : معنى الآية أنه تعالى أنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع وتسهيل السبل والمقصود أن يشتغلوا بالعبادة والشكر ويعدلوا عن الكفر ، فإذا صرفوا هذه الأحوال إلى الفسق والكفر ، فقد غيروا نعمة اللَّه تعالى على أنفسهم ، فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن قال : وهذا من أوكد ما يدل على أنه تعالى لا يبتدئ أحداً بالعذاب والمضرة ، والذي يفعله لا يكون الأجزاء على معاص سلفت ، ولو كان تعالى خلقهم وخلق جسمانهم وعقولهم ابتداء للنار كما يقوله القوم ، لما صح ذلك ، قال أصحابنا : ظاهر الآية مشعر بما قاله القاضي الإمام إلا أنا لو حملنا الآية عليه لزم أن يكون صفة اللَّه تعالى معللة بفعل الإنسان ، وذلك لأن حكم اللَّه بذلك التغيير وإرادته لما كان لا يحصل إلا عند إتيان الإنسان بذلك الفعل ، فلو لم يصدر عند ذلك الفعل لم يحصل للَّه تعالى ذلك الحكم وتلك الإرادة ، فحينئذ يكون فعل الإنسان مؤثراً في حدوث صفة في ذات اللَّه تعالى ، ويكون الإنسان مغيراً صفة اللَّه ومؤثراً فيها ، وذلك محال في بديهة العقل ، فثبت أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره ، بل الحق أن صفة اللَّه غالبة على صفات المحدثات ، فلو لا حكمه وقضاؤه أولًا لما أمكن للعبد أن يأتي بشيء من الأفعال والأقوال . المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر مرة أخرى قوله تعالى :
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ
ذكروا فيه وجوهاً كثيرة : الأول : أن الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول ، لأن الكلام الأول فيه ذكر أخذهم ، وفي الثاني ذكر إغراقهم وذلك تفصيل . والثاني : أنه أريد بالأول ما نزل بهم من العقوبة في حال الموت ، وبالثاني ما ينزل بهم في القبر في الآخرة . الثالث : أن الكلام الأول هو قوله :
كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ
والكلام الثاني هو قوله :
كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ
فالأول إشارة إلى أنهم أنكروا الدلائل الإلهية ، والثاني إشارة إلى أنه سبحانه رباهم وأنعم عليهم بالوجوه الكثيرة ، فأنكروا دلائل التربية والإحسان مع كثرتها وتواليها عليهم ، فكان الأثر اللازم من الأول هو الأخذ والأثر اللازم من الثاني هو الإهلاك والإغراق ، وذلك يدل على أن لكفران النعمة أثراً عظيماً في حصول الهلاك والبوار ، ثم ختم تعالى الكلام بقوله :
وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ
والمراد منه أنهم كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر والمعصية ، وظالمي سائر الناس بسبب الإيذاء والإيحاش ، وأن اللَّه تعالى / إنما هلكهم بسبب ظلمهم ، وأقول في هذا المقام اللهم أهلك الظالمين وطهر وجه الأرض منهم فقد عظمت فتنتهم وكثر شرهم ، ولا يقدر أحد على دفعهم إلا أنت ، فادفع يا قهار يا جبار يا منتقم .