تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
ثم قال تعالى بعده :
وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ
.

[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 49 ]

إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 49 ) [ في قوله تعالى
إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ
] وفيه مسائل : المسألة الأولى : إنما لم تدخل الواو في قوله :
إِذْ يَقُولُ
ودخلت في قوله :
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ
[ الأنفال : 48 ] لأن قوله :
وَإِذْ زَيَّنَ
عطف على هذا التزيين على حالهم وخروجهم بطراً ورئاء ، وأما هنا وهو قوله :
إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ
فليس فيه عطف لهذا الكلام على ما قبله بل هو كلام مبتدأ منقطع عما قبله ، وعامل الإعراب في
إِذْ
فيه وجهان : الأول : التقدير واللَّه شديد العقاب إذ يقول المنافقون والثاني : اذكروا إذ يقول المنافقون . المسألة الثانية : أما المنافقون فهم قوم من الأوس والخزرج ، وأما الذين في قلوبهم مرض فهم قوم من قريش أسلموا وما قوي إسلامهم في قلوبهم ولم يهاجروا . ثم إن قريشاً لما خرجوا لحرب رسول اللَّه صَلَّى اللّه عليه وسلّم قال أولئك نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه ، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا . قال محمد بن إسحاق : ثم قتل هؤلاء جميعاً مع المشركين يوم بدر . وقوله :
غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ
قال ابن عباس : معناه أنه خرج بثلاثمائة وثلاثة عشر يقاتلون ألف رجل ، / وما ذاك إلا أنهم اعتمدوا على دينهم . وقيل المراد : إن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم ، رجاء أن يجعلوا أحياء بعد الموت ويثابون على هذا القتل . ثم قال تعالى :
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
أي ومن يسلم أمره إلى اللَّه ويثق بفضله ويعول على إحسان اللَّه ، فإن اللَّه حافظه وناصره ، لأنه عزيز لا يغلبه شيء ، حكيم يوصل العذاب إلى أعدائه ، والرحمة والثواب إلى أوليائه :

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 50 إلى 51 ]

وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ( 50 ) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 51 ) [ في قوله تعالى
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
] اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال هؤلاء الكفار شرح أحوال موتهم ، والعذاب الذي يصل إليهم في ذلك الوقت ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحده إذ تتوفى بالتاء على تأنيث لفظ الملائكة والجمع ، والباقون بالياء على المعنى . المسألة الثانية : جواب لو محذوف . والتقدير : لرأيت منظراً هائلًا ، وأمراً فظيعاً ، وعذاباً شديداً . المسألة الثالثة :
وَلَوْ تَرى
ولو عاينت وشاهدت ، لأن لو ترد المضارع إلى الماضي كما ترد إن الماضي إلى المضارع . المسألة الرابعة : الملائكة رفعها بالفعل ، ويضربون حال منهم ، ويجوز أن يكون في قوله :
يَتَوَفَّى
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 493 | فخر الدين الرازي