المسألة الأولى : لا شك أن عسكر الرسول عليه السلام في أول الأمر كانوا في غاية الخوف والضعف بسبب القلة وعدم الأهبة ، ونزلوا بعيدين عن الماء ، وكانت الأرض التي نزلوا فيها أرضاً رملية تغوص فيها أرجلهم . وأما الكفار ، فكانوا في غاية القوة بسبب الكثرة في العدد ، وبسبب حصول الآلات والأدوات ، لأنهم كانوا قريبين من الماء ، ولأن الأرض التي نزلوا فيها كانت صالحة للمشي ، ولأن العير كانوا خلف ظهورهم ، وكانوا يتوقعون مجيء المدد من العير إليهم ساعة فساعة ، ثم إنه تعالى قلب القصة وعكس القضية ، وجعل الغلبة للمسلمين ، والدمار على الكافرين فصار ذلك من أعظم المعجزات وأقوى البينات على صدق محمد صَلَّى اللّه عليه وسلّم ، فيما أخبر عن ربه من وعد النصر والفتح والظفر . فقوله :
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ
إشارة إلى هذا المعنى ، وهو أن الذين هلكوا إنما هلكوا بعد مشاهدة هذه المعجزة ، والمؤمنون الذين بقوا في الحياة شاهدوا هذه المعجزة القاهرة ، والمراد من البينة هذه المعجزة .
المسألة الثانية : اللام في قوله :
لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا
وفي قوله :
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ
لام الغرض ، وظاهره يقتضي تعليل أفعال اللَّه وأحكامه بالأغراض والمصالح ، إلا أنا نصرف هذا الكلام عن ظاهره بالدلائل العقلية المشهورة .
المسألة الثالثة : قوله :
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ
ظاهره يقتضي أنه تعالى أراد من الكل العلم والمعرفة والخير والصلاح ، وذلك يقدح في قول أصحابنا : أنه تعالى أراد الكفر من الكافر ، لكنا نترك هذا الظاهر بالدلائل المعلومة .
المسألة الرابعة : قوله :
وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم والبزي عن ابن كثير ونصير عن الكسائي من حيي بإظهار الياءين وأبو عمرو ، وابن كثير برواية القواس ، وابن عامر وحفص عن عاصم والكسائي بياء مشددة على الإدغام . فأما الإدغام فللزوم الحركة في الثاني ، فجرى مجرى رد لأنه في المصحف مكتوب بياء واحدة . وأما الإظهار فلامتناع الإدغام في مضارعه من « يحيى » فجرى على مشاكلته ، وأجاز بعض الكوفيين الإدغام في
يَحْيى
.
ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله :
وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ
أي يسمع دعاءكم ويعلم حاجتكم وضعفكم ، فأصلح مهمكم .
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 43 ]
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 43 )
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من النعم التي أنعم اللَّه بها على أهل بدر ، وفيه مسألتان :
المسألة الأولى :
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ
منصوب بإضمار اذكر ، أو هو بدل ثان من يوم الفرقان أو متعلق بقوله :
لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ
أي يعلم المصالح إذ يقللهم في أعينكم .
المسألة الثانية : قال مجاهد : أرى اللَّه النبي عليه السلام كفار قريش في منامه قليلًا فأخبر بذلك أصحابه .
فقالوا : رؤيا النبي حق ، القوم قليل ، فصار ذلك سبباً لجراءتهم وقوة قلوبهم .