تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
المسألة الثانية : قوله
مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ
فيه أقوال : الأول : قال ابن عباس من بعد صلاة أهل دينهما ، والثاني : قال عامة المفسرين من بعد صلاة العصر . فإن قيل : كيف عرف أن المراد هو صلاة العصر ، مع أن المذكور هو الصلاة المطلقة . قلنا : إنما عرف هذا التعيين بوجوه : أحدها : أن هذا الوقت كان معروفا عندهم بالتحليف بعدها فالتقييد بالمعروف المشهور أغنى عن التقييد باللفظ ، وثانيها : ما روي أنه لما نزلت هذه الآية صلّى النبي ( ص ) صلاة العصر ، ودعا بعدي وتميم ، فاستحلفهما عند المنبر ، فصار فعل الرسول دليلا على التقييد ، وثالثها : أن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون اللَّه فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب ، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها . والقول الثالث : قال الحسن : المراد بعد الظهر أو بعد العصر ، لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما . والقول الرابع : أن المراد بعد أداء الصلاة أي صلاة كانت والغرض من التحليف بعد / إقامة الصلاة هو أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فكان احتراز الحالف عن الكذب في ذلك الوقت أتم وأكمل ، واللَّه أعلم . المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه اللَّه : الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق ، والمال إذا بلغ مائتي درهم في الزمان والمكان ، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام ، وبالمدينة عند المنبر ، وفي بيت المقدس عند الصخرة ، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد ، وقال أبو حنيفة رحمه اللَّه : يحلف من غير أن يختص الحلف بزمان أو مكان ، وهذا على خلاف الآية ، ولأن المقصود منه التهويل والتعظيم ، ولا شك أن الذي ذكره الشافعي رضي اللَّه عنه أقوى . ثم قال تعالى :
فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى
وفيه مسائل : المسألة الأولى : الفاء في قوله
فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ
للجزاء يعني : تحبسونهما فيقدمان لأجل ذلك الحبس على القسم . المسألة الثانية : قوله
إِنِ ارْتَبْتُمْ
اعتراض بين القسم والمقسم عليه . والمعنى : ان ارتبتم في شأنهما واتهمتموهما فحلفوهما ، وبهذا يحتج من يقول الآية نازلة في إشهاد الكفار ، لأن تحليف الشاهد المسلم غير مشروع ، ومن قال الآية نازلة في حق المسلم قال إنها منسوخة ، وعن علي عليه السلام أنه كان يحلف الشاهد والراوي عند التهمة . المسألة الثالثة : قوله
لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً
يعني يقسمان باللَّه أنا لا نبيع عهد اللَّه بشيء من الدنيا قائلين لا نشتري به ثمنا ، وهو كقوله
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا
[ آل عمران : 77 ] أي لا نأخذ ولا نستبدل ، ومن باع شيئا فقد اشترى ثمنه ، وقوله
وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى
أي لا نبيع عهد اللَّه بشيء من الدنيا ، ولو كان ذلك الشيء حبوة ذي قربى أو نفسه ، وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بسببهم أعظم ، وهو كقوله
كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ
[ النساء : 135 ] .