تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ
[ البقرة : 180 ] قالوا وقوله
إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ
دليل على وجوب الوصية ، لأنه تعالى جعل زمان حضور الموت غير زمان الوصية ، وهذا إنما يكون إذا كانا متلازمين ، وإنما تحصل هذه الملازمة عند وجوب الوصية . ثم قال تعالى :
اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ
وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في الآية حذف ، والمراد أن يشهد ذوا عدل منكم ، وتقدير الآية : شهادة ما بينكم عند الموت الموصوف ، هي أن يشهد اثنان ذوا عدل منكم ، وإنما حسن هذا الحذف لكونه معلوما . المسألة الثانية : اختلف المفسرون في قوله
مِنْكُمْ
، على قولين : الأول : وهو قول عامة المفسرين أن المراد : اثنان ذوا عدل منكم يا معشر المؤمنين ، أي من أهل دينكم وملتكم ، وقوله
أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ
يعني أو شهادة آخرين من غير أهل دينكم وملتكم إذا كنتم في السفر ، فالعدلان المسلمان صالحان للشهادة في الحضر والسفر ، وهذا قول ابن عباس ، وأبي موسى الأشعري ، وسعيد بن جبير ، وسعيد بن المسيب ، وشريح ومجاهد وابن سيرين وابن جريج . قالوا : إذا كان الإنسان في الغربة ، ولم يجد مسلما يشهده على وصيته ، جاز له أن يشهد اليهودي أو النصراني أو المجوسي أو عابد الوثن أو أي كافر كان وشهادتهم مقبولة ، ولا يجوز شهادة الكافرين على المسلمين إلا في هذه الصورة قال الشعبي رحمه اللَّه : مرض رجل من المسلمين في الغربة ، فلم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته ، فأشهد رجلين من أهل الكتاب ، فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري ، وكان واليا عليها فأخبراه بالواقعة وقد ما تركته ووصيته . فقال أبو موسى : هذا أمر لم يكن بعد لذي كان في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ، ثم حلفهما في مسجد الكوفة بعد العصر ، باللَّه أنهما ما كذبا ولا بدلا وأجاز شهادتهما ، ثم إن القائلين بهذا القول ، منهم من قال هذا الحكم بقي محكما ومنهم من قال صار منسوخا . القول الثاني : وهو قول الحسن والزهري وجمهور الفقهاء : أن قوله
ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ
أي من أقاربكم وقوله
أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ
أي من الأجانب إن أنتم ضربتم في الأرض أي إن توقع الموت في السفر ، ولم يكن معكم أحد من أقاربكم ، فاستشهدوا أجنبيين على الوصية . وجعل الأقارب أولا لأنهم أعلم بأحوال الميت وهم به أشفق ، وبورثته أرحم وأرأف ، واحتج الذاهبون إلى القول الأول على صحة قولهم بوجوه . الحجة الأولى : أنه تعالى قال في أول الآية
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
فعم بهذا الخطاب جميع المؤمنين ، فلما قال بعده
أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ
كان المراد أو آخران من جميع المؤمنين لا محالة . الحجة الثانية : أنه قال تعالى :
أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ
وهذا يدل / على أن جواز الاستشهاد بهذين الآخرين مشروط بكون المستشهد في السفر ، فلو كان هذان الشاهدان مسلمين لما كان جواز الاستشهاد بهما مشروطا بالسفر ، لأن استشهاد المسلم جائز في السفر والحضر . الحجة الثالثة : الآية دالة على وجوب الحلف على هذين الشاهدين من بعد الصلاة ، وأجمع المسلمون على أن الشاهد المسلم لا يجب عليه الحلف ، فعلمنا أن هذين الشاهدين ليسا من المسلمين . الحجة الرابعة : أن سبب نزول هذه الآية ما ذكرناه من شهادة النصرانيين على بديل وكان مسلما .