تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
أما النوع الثاني : من المفاسد الموجودة في الخمر والميسر : المفاسد المتعلقة بالدين ، وهو قوله تعالى :
وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ
فنقول : أما أن شرب الخمر يمنع عن ذكر اللَّه فظاهر ، لأن شرب الخمور يورث الطرب واللذة الجسمانية ، والنفس إذا استغرقت في اللذات الجسمانية غفلت عن ذكر اللَّه تعالى ، وأما أن الميسر مانع عن ذكر اللَّه وعن الصلاة فكذلك ، لأنه إن كان غالبا صار استغراقه في لذة الغلبة مانعا من أن يخطر بباله شيء سواه ، ولا شك أن هذه الحالة مما تصد عن ذكر اللَّه وعن الصلاة . فإن قيل : الآية صريحة في أن علة تحريم الخمر هي هذه المعاني ، ثم إن هذه المعاني كانت حاصلة قبل تحريم الخمر مع أن التحريم ما كان حاصلا وهذا يقدح في صحة هذا التعليل : قلنا : هذا هو أحد الدلائل على أن تخلف الحكم عن العلة المنصوصة لا يقدح في كونها علة . ولما بيّن تعالى اشتمال شرب الخمر واللعب بالميسر على هذه المفاسد العظيمة في الدين . قال تعالى :
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
روي أنه لما نزل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى
[ النساء : 43 ] قال عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه : اللّهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا ، فلما نزلت هذه الآية قال عمر : انتهينا يا رب . واعلم أن هذا وإن كان استفهاما في الظاهر إلا أن المراد منه هو النهي في الحقيقة ، وإنما حسن هذا المجاز لأنه تعالى ذم هذه الأفعال وأظهر قبحها للمخاطب ، فلما استفهم بعد ذلك عن تركها لم يقدر المخاطب إلا على الإقرار بالترك ، فكأنه قيل له : أتفعله بعد ما قد ظهر من قبحه ما قد ظهر فصار قوله
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
جاريا مجرى تنصيص اللَّه تعالى على وجوب الانتهاء مقرونا بإقرار المكلف بوجوب الانتهاء . واعلم أن هذه الآية دالة على تحريم شرب الخمر من وجوه : أحدها : تصدير الجملة بإنما ، وذلك لأن هذه الكلمة للحصر ، فكأنه تعالى قال : لا رجس ولا شيء من عمل الشيطان إلا هذه الأربعة وثانيها : أنه تعالى قرن الخمر والميسر بعبادة الأوثان ، ومنه قوله صلى اللَّه عليه وسلم : « شارب الخمر كعابد الوثن » وثالثها : أنه تعالى أمر بالاجتناب ، وظاهر الأمر للوجوب ، ورابعها : أنه قال :
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
جعل الاجتناب من الفلاح ، وإذا كان الاجتناب فلاحا كان الارتكاب خيبة ، وخامسها : أنه شرح أنواع المفاسد المتولدة منها في الدنيا والدين ، وهي وقوع التعادي والتباغض بين الخلق / وحصول الاعراض عن ذكر اللَّه تعالى وعن الصلاة . وسادسها : قوله
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
وهو من أبلغ ما ينتهي به كأنه قيل : قد تلي عليكم ما فيها من أنواع المفاسد والقبائح فهل أنتم منتهون مع هذه الصوارف ؟ أم أنتم على ما كنتم عليه حين لم توعظوا بهذه المواعظ . وسابعها : أنه تعالى قال بعد ذلك .

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 92 ]

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 92 )
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا
فظاهره أن المراد وأطيعوا اللَّه وأطيعوا الرسول فيما تقدم ذكره من أمرهما بالاجتناب عن الخمر والميسر ، وقوله
وَاحْذَرُوا
أي احذروا عن مخالفتها في هذه التكاليف . وثامنها : قوله :