تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
وإذا كان كذلك وجب أن يخرج عن العهدة . قال : وقوله
إِذا حَلَفْتُمْ
فيه دقيقة وهي التنبيه على أن تقديم الكفارة قبل اليمين لا يجوز ، وأما بعد اليمين وقبل الحنث فإنه يجوز . ثم قال تعالى :
وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ
وفيه وجهان : الأول : المراد منه قللوا الأيمان ولا تكثروا منها قال كثير :
قليل الألايا حافظ ليمينه * وإن سبقت منه الألية برت
فدل قوله ( وإن سبقت منه الألية ) على أن قوله ( حافظ ليمينه ) وصف منه له بأنه لا يحلف . الثاني : واحفظوا أيمانكم إذا حلفتم عن الحنث لئلا تحتاجوا إلى التكفير ، واللفظ محتمل للوجهين ، إلا أن على هذا التقدير يكون مخصوصا بقوله عليه السلام : « من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه » . ثم قال تعالى :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
والمعنى ظاهر ، والكلام في لفظ لعلّ تقدم مرارا .

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 90 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 90 ) اعلم أن هذا هو النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذا الموضع ، ووجه اتصاله بما قبله أنه تعالى قال فيما تقدم
لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
إلى قوله
وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً
[ المائدة : 87 ، 88 ] ثم لما كان من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر لا جرم أنه تعالى بيّن أنهما غير داخلين في المحللات ، بل في المحرمات . واعلم أنا قد ذكرنا في سورة البقرة معنى الخمر والميسر وذكرنا معنى الأنصاب والأزلام في أول هذه السورة عند قوله
وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ
[ المائدة : 3 ] فمن أراد الاستقصاء فعليه بهذه المواضع . وفي اشتقاق لفظ الخمر وجهان : الأول : سميت الخمر خمرا لأنها خامرت العقل ، أي خالطته فسترته ، والثاني : قال ابن الأعرابي : تركت فاختمرت ، أي تغير ريحها ، والميسر هو قمارهم في الجزور ، والأنصاب هي آلهتهم التي نصبوها يعبدونها ، والأزلام سهام مكتوب عليها خير وشر . واعلم أنه تعالى وصف هذه الأقسام الأربعة بوصفين : الأول : قوله
رِجْسٌ
والرجس في اللغة كل ما استقذر من عمل . يقال : رجس الرجل رجسا ورجس إذا عمل عملا قبيحا ، وأصله من الرجس بفتح الراء ، وهو شدة الصوت . يقال : سحاب رجاس إذا كان شديد الصوت بالرعد فكان الرجس هو العمل الذي يكون قوي الدرجة كامل الرتبة في القبح . الوصف الثاني : قوله
مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
وهذا أيضا مكمل لكونه رجسا لأن الشيطان نجس خبيث لأنه كافر والكافر نجس لقوله
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ
[ التوبة : 28 ] والخبيث لا يدعو إلا إلى الخبيث لقوله
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 423 | فخر الدين الرازي