تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
وهاهنا قول آخر ، وهو أن أبا الحسن الأشعري رحمه اللَّه زعم في بعض أقواله أن اليد صفة قائمة بذات اللَّه تعالى ، وهي صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء وقال : والذي يدل عليه أنه تعالى جعل وقوع خلق آدم بيديه علة لكرامة آدم واصطفائه ، فلو كانت اليد عبارة عن القدرة لامتنع كونه علة للاصطفاء ، لأن ذلك حاصل في جميع المخلوقات ، فلا بدّ من إثبات صفة أخرى وراء القدرة يقع بها الخلق والتكوين على سبيل الاصطفاء ، وأكثر العلماء زعموا أن اليد في حق اللَّه تعالى عبارة عن القدرة وعن النعمة . فإن قيل : إن فسرتم اليد في حق اللَّه تعالى بالقدرة فهذا مشكل ؛ لأن قدرة اللَّه تعالى واحدة ونص القرآن ناطق بإثبات اليدين تارة ، وبإثبات الأيدي أخرى ، وإن فسرتموها بالنعمة فنص القرآن ناطق بإثبات اليدين ، ونعم اللَّه غير محدودة كما قال تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
[ إبراهيم : 34 ] [ النحل : 18 ] . والجواب : إن اخترنا تفسير اليد بالقدرة كان الجواب عن الأشكال المذكور أن القوم جعلوا قولهم
يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
كناية عن البخل ، فأجيبوا على وفق كلامهم ، فقيل
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
أي ليس الأمر على ما وصفتموه به من البخل ، بل هو جواد على سبيل الكمال . فإن من أعطى بيده أعطى على أكمل الوجوه ، وأما إن اخترنا تفسير اليد بالنعمة كان الجواب عن الأشكال المذكور من وجهين : الأول : أنه نسبة بحسب الجنس ، ثم يدخل تحت كل واحد من الجنسين أنواع لا نهاية لها ، فقيل : نعمتاه نعمة الدين ونعمة الدنيا ، أو نعمة الظاهر ونعمة الباطن ، أو نعمة النفع ونعمة / الدفع ، أو نعمة الشدة ونعمة الرخاء . الثاني : أن المراد بالنسبة المبالغة في وصف النعمة ، ألا ترى أن قولهم ( لبيك ) معناه إقامة على طاعتك بعد إقامة ، وكذلك ( سعديك ) معناه مساعدة بعد مساعدة ، وليس المراد منه طاعتين ولا مساعدتين . فكذلك الآية : المعنى فيها أن النعمة متظاهرة متتابعة ليست كما ادعى من أنها مقبوضة ممتنعة . ثم قال تعالى :
يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
أي يرزق ويخلق كيف يشاء ، إن شاء قتر ، وإن شاء وسع . وقال
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ
[ الشورى : 27 ] وقال
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ *
[ الرعد : 26 ] وقال
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ
إلى قوله
وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ
[ آل عمران : 26 ] . واعلم أن هذه الآية رد على المعتزلة ، وذلك لأنهم قالوا : يجب على اللَّه تعالى إعطاء الثواب للمطيع ، ويجب عليه أن لا يعاقبه ، ويجب عليه أن لا يدخل العاصي الجنة ، ويجب عليه عند بعضهم أن يعاقبه ، فهذا المنع والحجر والقيد يجري مجرى الغل ، فهم في الحقيقة قائلون بأن يد اللَّه مغلولة وأما أهل السنة فهم القائلون بأن الملك ملكه ، وليس لأحد عليه استحقاق ، ولا لأحد عليه اعتراض كما قال
قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
[ المائدة : 17 ] فقوله سبحانه :
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
لا يستقيم إلا على المذهب والمقالة ، والحمد للَّه على الدين القويم والصراط المستقيم . ثم قال تعالى :
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً
وفيه مسألتان : المسألة الأولى : المراد بالكثير علماء اليهود ، يعني ازدادوا عند نزول ما أنزل إليك من ربك من القرآن