مغلول اليد ، فلما قالوا ذلك حكى اللَّه عنهم هذا الكلام الثالث : قال المفسرون : اليهود كانوا أكثر الناس مالا وثروة ، فلما بعث اللَّه محمدا وكذبوا به ضيق اللَّه عليهم المعيشة فعند ذلك قالت اليهود : يد اللَّه مغلولة ، أي مقبوضة عن العطاء على جهة الصفة بالبخل ، والجاهل إذا وقع في البلاء والشدة والمحنة يقول مثل هذه الألفاظ . الرابع : لعلّه كان فيهم من كان على مذهب الفلسفة ، وهو أنه تعالى موجب لذاته ، وأن حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نهج واحد وسنن واحد ، وأنه تعالى غير قادر على إحداث الحوادث على غير الوجوه التي عليها تقع ، فعبروا عن عدم الاقتدار على التغيير والتبديل بغل اليد . الخامس : قال بعضهم : المراد هو قول اليهود : إن اللَّه لا يعذبنا إلا بقدر الأيام التي عبدنا العجل فيها ، إلا أنهم عبروا عن كونه تعالى غير معذب لهم إلا في هذا القدر من الزمان بهذه العبارة الفاسدة ، واستوجبوا اللعن بسبب فساد العبارة وعدم رعاية الأدب ، وهذا قول الحسن فثبت أن هذه الحكاية صحيحة على كل هذه الوجوه واللَّه أعلم .
المسألة الثانية : غل اليد وبسطها مجاز مشهور عن البخل والجود ، ومنه قوله تعالى :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
[ الإسراء : 29 ] قالوا : والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال لا سيما لدفع المال ولإنفاقه ، فأطلقوا اسم السبب على المسبب ، وأسندوا الجود والبخل إلى اليد والبنان والكف والأنامل . فقيل للجواد : فياض الكف مبسوط اليد ، وبسط البنان تره الأنامل . ويقال للبخيل : كز الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل .
فإن قيل : فلما كان قوله
يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
المراد منه البخل وجب أن يكون قوله
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ
المراد منه أيضا البخل لتصح المطابقة ، والبخل من الصفات المذمومة التي نهى اللَّه تعالى عنها ، فكيف يجوز أن يدعو عليهم بذلك ؟
قلنا : قوله
يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
عبارة عن عدم المكنة من البذل والإعطاء ، ثم إن عدم المكنة من الإعطاء تارة يكون لأجل البخل وتارة يكون لأجل الفقر ، وتارة يكون لأجل العجز ، فكذلك قوله
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ
دعاء عليهم بعدم القدرة والمكنة ؛ سواء حصل ذلك بسبب العجز أو الفقر أو البخل ، وعلى هذا التقدير فإنه يزول الأشكال .
المسألة الثالثة : قوله
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا
فيه وجهان : الأول : أنه دعاء عليهم ، والمعنى أنه تعالى يعلمنا أن ندعو عليهم بهذا الدعاء كما علمنا الاستثناء في قوله
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
[ الفتح : 27 ] وكما علمنا الدعاء على المنافقين في قوله
فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
[ البقرة : 10 ] وعلى أبي لهب في قوله
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
[ المسد : 1 ] الثاني : أنه إخبار . قال الحسن : غلت أيديهم في نار جهنم على الحقيقة ، أي شدت إلى / أعناقهم جزاء لهم على هذا القول .
فإن قيل : فإذا كان هذا الغل إنما حكم به جزاء لهم على هذا القول ، فكان ينبغي أن يقال : فغلت أيديهم .
قلنا : حذف العطف وإن كان مضمرا إلا أنه حذف لفائدة ، وهي أنه لما حذف كان قوله
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ
كالكلام المبتدأ به ، وكون الكلام مبتدأ به يزيده قوة ووثاقة ؛ لأن الابتداء بالشيء يدل على شدة الاهتمام به وقوة الاعتناء بتقريره ، ونظير هذا الموضع في حذف فاء التعقيب قوله تعالى :
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ