تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
حصل لها من الوجود وكمالات الوجود في ذواتها من صفاتها وأحوالها وعلائقها ، فمن إيجاد الحق ومن جوده ووجوده ، فعند هذا يعرف من معنى قوله
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
ذرة ، وهذا بحر لا ساحل له ، وكلام لا آخر له واللَّه أعلم . المسألة السادسة : إنا وإن ذكرنا أن قوله
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
أجري مجرى قوله قولوا : الحمد للَّه ربّ العالمين فإنما ذكرناه لأن قوله في أثناء السورة
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
لا يليق إلا بالعبد فلهذا السبب افتقرنا هناك إلى هذا الإضمار . أما هذه السورة وهي قوله
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
فلا يبعد أن يكون المراد منه ثناء اللَّه تعالى به على نفسه . وإذا ثبت هذا فنقول : إن هذا يدل من بعض الوجوه ، على أنه تعالى منزّه عن الشبيه في اللذات والصفات والأفعال وذلك لأن قوله
الْحَمْدُ لِلَّهِ
جار مجرى مدح النفس وذلك قبيح في الشاهد ، فلما أمرنا بذلك دلّ هذا على أنه لا يمكن قياس الحق على الخلق ، فكما أن هذا قبيح من الخلق مع أنه لا يقبح من الحق ، فكذلك ليس كل ما يقبح من الخلق وجب أن يقبح من الحق . وبهذا الطريق وجب أن يبطل كلمات المعتزلة في أن ما قبح منا وجب أن يقبح من اللَّه . إذا عرفت بهذا الطريق أن أفعاله لا تشبه أفعال الخلق ، فكذلك صفاته لا تشبه صفات الخلق ، وذاته لا تشبه ذوات الخلق ، وعند هذا يحصل التنزيه المطلق والتقديس الكامل عن كونه تعالى / مشابها لغيره في الذات والصفات والأفعال ، فهو اللَّه سبحانه واحد في ذاته ، لا شريك له في صفاته ، ولا نظير له واحد في أفعاله لا شبيه له تعالى وتقدس واللَّه أعلم . أما قوله سبحانه
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
ففيه مسألتان : الأولى : في السؤالات المتوجهة على هذه الآية وهي ثلاثة : السؤال الأول : أن قوله
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
جار مجرى ما يقال : جاءني الرجل الفقيه . فإن هذا يدل على وجود رجل آخر ليس بفقيه ، وإلا لم يكن إلى ذكر هذه الصفة حاجة كذا هاهنا قوله
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
يوهم أن هناك إلها لم يخلق السماوات والأرض ، وإلا فأي فائدة في هذه الصفة ؟ والجواب : أنا بينا أن قوله ( اللَّه ) جار مجرى اسم العلم . فإذا ذكر الوصف لا سم العلم لم يكن المقصود من ذكر الوصف التمييز ، بل تعريف كون ذلك المعنى المسمى ، موصوفا بتلك الصفة . مثاله إذا قلنا الرجل العالم ، فقولنا : الرجل اسم الماهية ، والماهية تتناول الأشخاص المذكورين الكثيرين . فكان المقصود هاهنا من ذكر الوصف تمييز هذا الرجل بهذا الاعتبار عن سائر الرجال بهذه الصفة . أما إذا قلنا : زيد العالم ، فلفظ زيد اسم علم ، وهو لا يفيد إلا هذه الذات المعينة ، لأن أسماء الأعلام قائمة مقام الإشارات . فإذا وصفناه بالعلمية امتنع أن يكون المقصود منه تمييز ذلك الشخص عن غيره ، بل المقصود منه تعريف كون ذلك المسمى موصوفا بهذه الصفة . ولما كان لفظ ( اللَّه ) من باب أسماء الأعلام ، لا جرم كان الأمر على ما ذكرناه واللَّه أعلم .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 476 | فخر الدين الرازي