تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
المسألة الخامسة : في قوله
الْحَمْدُ لِلَّهِ
قولان : الأول : المراد منه احمدوا اللَّه تعالى ، وإنما جاء على صيغة الخبر لفوائد : إحداها : أن قوله
الْحَمْدُ لِلَّهِ
يفيد تعليم اللفظ والمعنى ، ولو قال : احمدوا لم يحصل مجموع هاتين الفائدتين . وثانيها : أنه يفيد أنه تعالى مستحق الحمد سواء حمده حامد أو لم يحمده . وثالثها : أن المقصود منه ذكر الحجة فذكره بصيغة الخبر أولى . والقول الثاني : وهو قول أكثر المفسرين معناه قولوا الحمد للَّه . قالوا : والدليل على أن المراد منه تعليم العباد أنه تعالى قال في أثناء السورة
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
وهذا الكلام لا يليق ذكره إلا بالعباد . والمقصود أنه سبحانه لما أمر بالحمد وقد تقرر في العقول أن الحمد لا يحسن إلا على الإنعام ، فحينئذ يصير هذا الأمر حاملا للمكلف على أن يتفكر في أقسام نعم اللَّه تعالى عليه . ثم إن تلك النعم يستدل بذكرها على مقصودين شريفين : أحدهما : أن هذه النعم قد حدثت بعد أن كانت معدومة فلا بدّ لها من محدث ومحصل وليس ذلك هو العبد لأن كل أحد يريد تحصيل جميع أنواع النعم لنفسه ، فلو كان حصول النعم للعبد بواسطة قدرة العبد واختياره ، لوجب أن يكون كل واحد واصلا إلى جميع أقسام النعم إذ لا أحد إلا وهو يريد تحصيل كل النعم لنفسه ، ولما ثبت أنه لا بدّ لحدوث هذه النعم من محدث وثبت أن ذلك المحدث ليس هو العبد ، فوجب الإقرار بمحدث قاهر قادر ، وهو اللَّه سبحانه وتعالى . والنوع الثاني : من مقاصد هذه الكلمة أن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها فإذا أمر اللَّه تعالى العبد بالتحميد ، وكان الأمر بالتحميد مما يحمله على تذكر أنواع نعم اللَّه تعالى ، صار ذلك التكليف حاملا للعبد على تذكر أنواع نعم اللَّه عليه ، ولما كانت تلك النعم كثيرة خارجة عن الحد والإحصاء ، صار تذكر تلك النعم موجبة رسوخ حب اللَّه تعالى في قلب العبد . فثبت أن تذكير النعم يفيد هاتين الفائدتين الشريفتين . إحداهما : الاستدلال بحدوثها عن الإقرار بوجود اللَّه تعالى . وثانيهما : أن الشعور بكونها نعما يوجب ظهور حب اللَّه في القلب ، ولا مقصود من جميع العبادات إلا هذان الأمران . فلهذا السبب وقع الابتداء في هذا الكتاب الكريم بهذه الكلمة ، فقال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
. واعلم أن هذه الكلمة بحر لا ساحل له ، لأن العالم اسم لكل ما سوى اللَّه تعالى ، وما سوى اللَّه إما جسم أو حال فيه أو لا جسم ولا حال فيه ، وهو الأرواح . ثم الأجسام إما فلكية ، وإما عنصرية . أما الفلكيات فأولها العرش المجيد ، ثم الكرسي الرفيع . ويجب على العاقل أن يعرف أن العرش ما هو ، وأن الكرسي ما هو ، وأن يعرف صفاتهما وأحوالهما ، ثم يتأمل أن اللوح المحفوظ ، والقلم والرفرف ، والبيت المعمور ، وسدرة المنتهى ما هي ، وأن يعرف حقائقها ، ثم يتفكر في طبقات السماوات وكيفية اتساعها وأجرامها وأبعادها ، ثم يتأمل في الكواكب الثابتة والسيارة ، ثم يتأمل في عالم العناصر الأربعة والمواليد الثلاثة وهي المعادن والنبات والحيوان ، ثم يتأمل في كيفية حكمة اللَّه تعالى في خلقه الأشياء الحقيرة والضعيفة كالبق والبعوض ، ثم ينتقل منها إلى معرفة أجناس الأعراض وأنواعها القريبة والبعيدة ، وكيفية المنافع الحاصلة من كل نوع من أنواعها ، ثم ينتقل منها إلى تعرف مراتب الأرواح السفلية والعلوية والعرشية والفلكية ، ومراتب الأرواح المقدسة عن علائق الأجسام المشار إليها بقوله
وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ
[ الأنبياء : 19 ] فإذا استحضر مجموع هذه الأشياء بقدر القدرة والطاقة ، فقد حضر في عقله ذرة من معرفة العالم ، وهو كل ما سوى اللَّه تعالى . ثم عند هذا يعرف أن كل ما