تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 467

مساهمون:

ص٤٦٧
وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
يعني أنت الشهيد لي حين كنت فيهم وأنت الشهيد عليهم بعد مفارقتي لهم ، فالشهيد الشاهد ويجوز حمله على الرؤية ، ويجوز حمله على العلم ، ويجوز حمله على الكلام بمعنى الشهادة فالشهيد من أسماء الصفات الحقيقية على جميع التقديرات ثم قال تعالى :

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 118 ]

إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 118 ) فيه مسائل : المسألة الأولى : معنى الآية ظاهر ، وفيه سؤال : وهو أنه كيف جاز لعيسى عليه السلام أن يقول
وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ
واللَّه لا يغفر الشرك . والجواب عنه من وجوه : الأول : أنه تعالى لما قال لعيسى عليه السلام :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ المائدة : 116 ] علم أن قوما من النصارى حكوا هذا الكلام عنه ، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافرا بل يكون مذنبا حيث كذب في هذه الحكاية وغفران الذنب جائز ، فلهذا المعنى : طلب المغفرة من اللَّه تعالى ، والثاني : أنه يجوز على مذهبنا من اللَّه تعالى أن يدخل الكفار الجنة وأن يدخل الزهاد والعباد النار ، لأن الملك ملكه ولا اعتراض لأحد عليه ، فذكر عيسى هذا الكلام ومقصوده منه تفويض الأمور كلها إلى اللَّه ، وترك التعرض والاعتراض بالكلية ، ولذلك ختم الكلام بقوله
فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
يعني أنت قادر على ما تريد ، حكيم في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك ، فمن أنا والخوض في أحوال الربوبية ، وقوله إن اللَّه لا يغفر الشرك فنقول : إن غفرانه جائز عندنا ، وعند جمهور البصريين من المعتزلة قالوا : لأن العقاب حق اللَّه على المذنب وفي إسقاطه منفعة للمذنب ، وليس في إسقاطه على اللَّه مضرة ، فوجب أن يكون حسنا بل دلّ الدليل السمعي في شرعنا على أنه لا يقع ، فلعل هذا الدليل السمعي ما كان موجودا في شرع عيسى عليه السلام . الوجه الثالث : في الجواب أن القوم قالوا هذا الكفر فعيسى عليه السلام جوّز أن يكون بعضهم قد تاب عنه ، فقال :
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ
علمت أن أولئك المعذبين ماتوا على الكفر فلك أن تعذبهم بسبب أنهم عبادك ، وأنت قد حكمت على كل من كفر من عبادك بالعقوبة ، وإن تغفر لهم علمت أنهم تابوا عن الكفر ، وأنت حكمت على من تاب عن الكفر بالمغفرة . الوجه الرابع : أنا ذكرنا أن من الناس من قال : إن قول اللَّه تعالى لعيسى
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ المائدة : 116 ] إنما كان عند رفعه إلى السماء لا في يوم القيامة ، وعلى / هذا القول فالجواب سهل لأن قوله
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ
يعني ان توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك ، وان أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الايمان ، وغفرت لهم ما سلف منهم فلك أيضا ذاك وعلى هذا التقدير فلا إشكال . المسألة الثانية : احتج بعض الأصحاب بهذه الآية على شفاعة محمد صلى اللَّه عليه وسلم في حق الفساق قالوا : لأن قول عيسى عليه السلام
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ
ليس في حق أهل الثواب لأن التعذيب لا يليق بهم ، وليس أيضا في حق الكفار لأن قوله
وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
لا يليق بهم فدل على أن ذلك ليس إلا في
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 467 | فخر الدين الرازي