بالتوراة دفعة واحدة ، فاللَّه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بأن هؤلاء الأنبياء الاثني عشر كلهم كانوا أنبياء ورسلا مع أن واحدا منهم ما أتى بكتاب مثل التوراة دفعة واحدة ، وإذا كان المقصود من تعديد هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هذا المعنى لم يجر ذكر موسى معهم ، ثم ختم ذكر الأنبياء بقوله
وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً
يعني أنكم اعترفتم بأن الزبور من عند اللَّه ، ثم إنه ما نزل على داود دفعة واحدة في ألواح مثل ما نزلت التوراة دفعة واحدة على موسى عليه السلام في الألواح ، فدل هذا على أن نزول الكتاب لا على الوجه الذي نزلت التوراة لا يقدح في كون الكتاب من عند اللَّه ، وهذا إلزام حسن قوي .
المسألة الرابعة : قال أهل اللغة : الزبور الكتاب ، وكل كتاب زبور ، وهو فعول بمعنى مفعول ، كالرسول والركوب والحلوب ، وأصله من زبرت بمعنى كتبت ، وقد ذكرنا ما فيه عند قوله
جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ
[ آل عمران : 184 ] .
المسألة الخامسة : قرأ حمزة
زَبُوراً
بضم الزاي في كل القرآن ، والباقون بفتحها ، حجة حمزة أن الزبور مصدر في الأصل ، ثم استعمل في المفعول كقولهم : ضرب الأمير ، ونسج فلان فصار اسما ثم جمع على زبر كشهود وشهد ، والمصدر إذا أقيم مقام المفعول فإنه يجوز جمعه كما يجمع الكتاب على كتب ، فعلى هذا ، الزبور الكتاب ، والزبر بضم الزاي الكتب ، أما قراءة الباقين فهي أولى لأنها أشهر ، والقراءة بها أكثر .
ثم قال تعالى :
وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ
.
واعلم أنه انتصب قوله
رُسُلًا
بمضمر يفسره قوله
قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ
والمعنى أنه تعالى إنما ذكر أحوال بعض الأنبياء في القرآن ، والأكثرون غير مذكورين على سبيل التفصيل .
ثم قال
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
والمراد أنه بعث كل هؤلاء الأنبياء والرسل وخص موسى عليه السلام بالتكلم معه ، ولم يلزم من تخصيص موسى عليه السلام بهذا التشريف الطعن في نبوّة سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فكذلك لم يلزم من تخصيص موسى بإنزال التوراة عليه دفعة واحدة طعن فيمن أنزل اللَّه عليه الكتاب لا على هذا الوجه ، وعن إبراهيم ويحيى بن وثاب أنهما قرءا
وَكَلَّمَ اللَّهُ
بالنصب ، وقال بعضهم : وكلم اللَّه معناه وجرح اللَّه موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن وهذا تفسير باطل .
ثم قال تعالى :
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في انتصاب قوله
رُسُلًا
وجوه : الأول : قال صاحب « الكشاف » : الأوجه أن ينتصب على المدح . والثاني : أنه انتصب على البدل من قوله
وَرُسُلًا
الثالث : أن يكون التقدير : أوحينا إليهم رسلا فيكون منصوبا على الحال واللَّه أعلم .
المسألة الثانية : اعلم أن هذا الكلام أيضا جواب عن شبهة اليهود ، وتقريره أن المقصود من بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يبشروا الخلق على اشتغالهم بعبودية اللَّه ، وأن ينذروهم على الإعراض عن العبودية ، فهذا هو المقصود الأصلي من البعثة ، فإذا حصل هذا المقصود فقد كمل الغرض وتمّ المطلوب ، وهذا المقصود الأصلي حاصل بإنزال الكتاب المشتمل على بيان هذا المطلوب ، ومن المعلوم أنه لا يختلف حال هذا المطلوب