[ في قوله تعالى
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
إلى قوله
وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً
] في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكى أن اليهود سألوا الرسول صلى اللَّه عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء ، وذكر تعالى بعده أنهم لا يطلبون ذلك لأجل الاسترشاد ولكن لأجل العناد واللجاج ، وحكى أنواعا كثيرة من فضائحهم وقبائحهم ، وامتد الكلام إلى هذا المقام ، شرع الآية في الجواب عن تلك الشبهة فقال :
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ
والمعنى : أنا توافقنا على نبوّة نوح وإبراهيم وإسماعيل وجميع المذكورين في هذه الآية ، وعلى أن اللَّه تعالى أوحى إليهم ، ولا طريق إلى العلم بكونهم أنبياء اللَّه ورسله إلا ظهور المعجزات عليهم ولكل واحد منهم نوع آخر من المعجزات على التعيين ، وما أنزل اللَّه على كل واحد من هؤلاء المذكورين كتابا بتمامه مثل ما أنزل إلى موسى ، فلما لم يكن عدم إنزال الكتاب على هؤلاء دفعة واحدة قادحا في نبوتهم ، بل كفى في إثبات نبوتهم ظهور نوع واحد من أنواع المعجزات عليهم ، علمنا أن هذه الشبهة زائلة ، وأن إصرار اليهود على طلب هذه المعجزة باطل ، وتحقيق القول فيه أن إثبات المدلول يتوقف على ثبوت الدليل ، ثم إذا حصل الدليل وتم فالمطالبة بدليل آخر تكون طلبا للزيادة وإظهارا للتعنت واللجاج ، واللَّه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فلا اعتراض عليه لأحد بأنه لم أعطى هذا الرسول هذه المعجزة وذلك الرسول الآخر معجزا آخر ، وهذا الجواب المذكور هاهنا هو الجواب المذكور في قوله تعالى :
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً
[ الإسراء : 90 ] إلى قوله
قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا
[ الإسراء : 93 ] يعني أنك إنما ادعيت الرسالة ، والرسول لا بدّ له من معجزة تدل على صدقه ، وذلك قد حصل ، وأما أن تأتي بكل ما يطلب منك فذاك ليس من شرط الرسالة ، فهذا جواب معتمد عن الشبهة التي أوردها اليهود ، وهو المقصود الأصلي من هذه الآية .
المسألة الثانية : قال الزجاج : الإيحاء الإعلام على سبيل الخفاء ، قال تعالى :
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا
[ مريم : 11 ] أي أشار إليهم ، وقال
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي
[ المائدة : 111 ] وقال
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
[ النحل : 68 ]
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى
[ القصص : 7 ] والمراد بالوحي في هذه الآيات الثلاثة الإلهام .
المسألة الثالثة : قالوا إنما بدأ تعالى بذكر نوح لأنه أول نبي شرع اللَّه تعالى على لسانه الأحكام والحلال والحرام ، ثم قال تعالى :
وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ
ثم خصّ بعض النبيّين بالذكر لكونهم أفضل من غيرهم كقوله
وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
[ البقرة : 98 ] .
واعلم أن الأنبياء المذكورين في هذه الآية سوى موسى عليه السلام إثنا عشر ولم يذكر موسى / معهم ، وذلك لأن اليهود قالوا : إن كنت يا محمد نبيا فأتنا بكتاب من السماء دفعة واحدة كما أتى موسى عليه السلام