تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 110 ]

وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً ( 110 ) واعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد في هذا الباب أتبعه بالدعوة إلى التوبة ، وذكر فيه ثلاثة أنواع من الترغيب فالأول : والمراد بالسوء القبيح الذي يسوء به غيره كما فعل طعمة من سرقة الدرع ومن رمي اليهودي بالسرقة والمراد بظلم النفس ما يختص به الإنسان كالحلف الكاذب ، وإنما خص ما يتعدى إلى الغير باسم السوء لأن ذلك يكون في الأكثر إيصالا للضرر إلى الغير ، والضرر سوء حاضر ، فأما الذنب الذي يخص الإنسان فذلك في الأكثر لا يكون ضررا حاضرا لأن الإنسان لا يوصل الضرر إلى نفسه . واعلم أن هذه الآية دالة على حكمين : الأول : أن التوبة مقبولة عن جميع الذنوب سواء كانت كفرا أو قتلا ، عمدا أو غصبا للأموال لأن قوله
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ
عم الكل الثاني : أن ظاهر الآية يقتضي أن مجرد الاستغفار كاف ، وقال بعضهم : أنه مقيد بالتوبة لأنه لا ينفع الاستغفار مع الإصرار ، وقوله
يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
معناه غفورا رحيما له ، وحذف هذا القيد لدلالة الكلام عليه ، فإنه لا معنى للترغيب في الاستغفار إلا إذا كان المراد ذلك .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 111 ]

وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 111 ) والنوع الثاني : من الكلمات المرغبة في التوبة قوله تعالى : والكسب عبارة عما يفيد جر منفعة أو دفع مضرة ، ولذلك لم يجز وصف الباري تعالى بذلك والمقصود منه ترغيب العاصي في الاستغفار كأنه تعالى يقول : الذنب الذي أتيت به ما عادت مضرته إلي فإنني منزّه عن النفع والضرر ، ولا تيأس من قبول التوبة والاستغفار
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً
بما في قلبه عند إقدامه على التوبة
حَكِيماً
تقتضي حكمته ورحمته أن يتجاوز عن التائب .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 112 ]

وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ( 112 ) النوع الثالث : قوله تعالى : وذكروا في الخطيئة والإثم وجوها : الأول : أن الخطيئة هي الصغيرة ، والإثم هو الكبيرة وثانيها : الخطيئة هي الذنب القاصر على فاعلها ، والإثم هو الذنب المتعدي إلى الغير كالظلم والقتل . وثالثها : الخطيئة ما لا ينبغي فعله سواء كان بالعمد أو بالخطإ ، والإثم ما يحصل بسبب العمد ، والدليل عليه ما قبل هذه الآية وهو قوله
وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ
[ النساء : 111 ] فبيّن أن الإثم ما يكون سببا لاستحقاق العقوبة . وأما قوله
ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً
فالضمير في
بِهِ
إلى ماذا يعود ؟ فيه وجوه : الأول : ثم يرم بأحد هذين المذكورين . الثاني : أن يكون عائدا إلى الإثم وحده لأنه هو الأقرب كما عاد إلى التجارة في قوله
وَإِذا رَأَوْا
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 215 | فخر الدين الرازي