تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
وعلى براءة طعمة من تلك السرقة ولم يظهر للرسول عليه الصلاة والسلام ما يوجب القدح في شهادتهم هم بأن يقضي بالسرقة على اليهودي ، ثم لما أطلعه اللَّه تعالى على كذب أولئك الشهود عرف أن ذلك القضاء لو وقع لكان خطأ ، فكان استغفاره بسبب أنه هم بذلك الحكم الذي لو وقع لكان خطأ في نفسه وإن كان معذورا عند اللَّه فيه . الثالث : قوله :
وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ
يحتمل أن يكون المراد : واستغفر اللَّه لأولئك الذين يذبون عن طعمة ويريدون أن يظهروا براءته عن السرقة ثم قال تعالى :

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 107 ]

وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً ( 107 ) والمراد بالذين يختانون أنفسهم طعمة ومن عاونه من قومه ممن علم كونه سارقا ، والاختيان كالخيانة / يقال : خانه واختانه ، وذكرنا ذلك عند قوله تعالى :
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ
[ البقرة : 187 ] وإنما قال تعالى لطعمة ولمن ذب عنهم : إنهم يختانون أنفسهم لأن من أقدم على المعصية فقد حرم نفسه الثواب وأوصلها إلى العقاب ، فكان ذلك منه خيانة مع نفسه ، ولهذا المعنى يقال لمن ظلم غيره : إنه ظلم نفسه . واعلم أن في الآية تهديدا شديدا ، وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما مال طبعه قليلا إلى جانب طعمة ، وكان في علم اللَّه أن طعمة كان فاسقا ، فاللَّه تعالى عاتب رسوله على ذلك القدر من إعانة المذنب ، فكيف حال من يعلم من الظالم كونه ظالما ثم يعينه على ذلك الظلم ، بل يحمله عليه ويرغبه فيه أشد الترغيب . ثم قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً
قال المفسرون : إن طعمة خان في الدرع ، وأثم في نسبة اليهودي إلى تلك السرقة فلا جرم قال اللَّه تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً
. فإن قيل : لم قال
خَوَّاناً أَثِيماً
مع أن الصادر عنه خيانة واحدة وإثم واحد . قلنا : علم اللَّه تعالى أنه كان في طبع ذلك الرجل الخيانة الكثيرة والإثم الكثير ، فذكر اللفظ الدال على المبالغة بسبب ما كان في طبعه من الميل إلى ذلك ، ويدل عليه ما رويناه أنه بعد هذه الواقعة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائط إنسان لأجل السرقة فسقط الحائط عليه ومات ، ومن كان خاتمته كذلك لم يشك في خيانته ، وأيضا طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدفع السرقة عنه ويلحقها باليهودي ، وهذا يبطل رسالة الرسول ، ومن حاول إبطال رسالة الرسول وأراد إظهار كذبه فقد كفر ، فلهذا المعنى وصفه اللَّه بالمبالغة في الخيانة والإثم . وقيل : إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات . عن عمر رضي اللَّه عنه أنه أمر بقطع يد سارق ، فجاءت أمه تبكي وتقول هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه ، فقال كذبت إن اللَّه لا يؤاخذ عبده في أول الأمر ، واعلم أنه تعالى لما خص هذا الوعيد بمن كان عظيم الخيانة والإثم دل ذلك على أن من كان قليل الخيانة والإثم فهو خارج عنه ثم قال تعالى :

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 108 ]

يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ( 108 ) الاستخفاء في اللغة معناه الاستتار ، يقال استخفيت من / فلان ، أي تواريت منه واستترت . قال تعالى :
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 213 | فخر الدين الرازي