واعلم أنه تعالى لما ذكر كيفية الطهارة الصغرى ذكر بعدها كيفية الطهارة الكبرى ، وهي الغسل من الجنابة وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لحصول الجنابة سببان : الأول : نزول المني ،
قال عليه الصلاة والسلام : « إنما الماء من الماء »
والثاني : التقاء الختانين ، وقال زيد بن ثابت ومعاذ وأبو سعيد الخدري : لا يجب الغسل إلا عند نزول الماء . لنا
قوله عليه الصلاة والسلام : « إذا التقى الختانان وجب الغسل » .
واعلم أن ختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلفة ، وأما ختان المرأة فاعلم أن شفريها محيطان بثلاثة أشياء : ثقبة في أسفل الفرج وهو مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد ، وثقبة أخرى فوق هذه مثل إحليل الذكر وهي مخرج البول لا غير ، والثالث ، فوق ثقبة البول موضع / ختانها ، وهناك جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك ، وقطع هذه الجلدة هو ختانها ، فإذا غابت الحشفة حاذى ختانها ختانه .
المسألة الثانية : قوله
فَاطَّهَّرُوا
أمر بالطهارة على الإطلاق بحيث لم يكن مخصوصا بعضو معين دون عضو ، فكان ذلك أمرا بتحصيل الطهارة في كل البدن على الإطلاق ، ولأن الطهارة الصغرى لما كانت مخصوصة ببعض الأعضاء لا جرم ذكر اللَّه تعالى تلك الأعضاء على التعيين ، فههنا لما لم يذكر شيئا من الأعضاء على التعيين علم أن هذا الأمر أمر بطهارة كل البدن .
واعلم أن هذا التطهير هو الاغتسال كما قال في موضع آخر
وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا
[ النساء : 43 ] .
المسألة الثالثة : الدلك غير واجب في الغسل ، وقال مالك رحمه اللَّه : واجب . لنا أن قوله
فَاطَّهَّرُوا
أمر بتطهير البدن ، وتطهير البدن لا يعتبر فيه الدلك بدليل أن
النبي صلى اللَّه عليه وسلم لما سئل عن الاغتسال من الجنابة قال : « أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات خفيفات من الماء فإذا أنا قد طهرت »
أثبت حصول الطهارة بدون الدلك ، فدل على أن التطهير لا يتوقف على الدلك .
المسألة الرابعة : لا يجوز للجنب مس المصحف . وقال داود : يجوز . لنا قوله
فَاطَّهَّرُوا
فدل على أنه ليس بطاهر ، وإلا لكان ذلك أمرا بتطهير الطاهر وإنه غير جائز ، وإذا لم يكن طاهرا لم يجز له مس المصحف لقوله تعالى :
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
[ الواقعة : 79 ] .
المسألة الخامسة : لا يجب تقديم الوضوء على الغسل ، وقال أبو ثور وداود : يجب . لنا أن قوله
فَاطَّهَّرُوا
أمر بالتطهير ، والتطهير حاصل بمجرد الاغتسال ، ولا يتوقف على الوضوء بدليل
قوله عليه الصلاة والسلام : « أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت » .
المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه اللَّه : المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الغسل ، وقال أبو حنيفة رحمه اللَّه : هما واجبان .
حجة الشافعي
قوله عليه الصلاة والسلام : « أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت » .
وحجة أبي حنيفة الآية والخبر . أما الآية فقوله تعالى :
فَاطَّهَّرُوا
وهذا أمر بأن يطهروا أنفسهم ، وتطهير