حجة الوداع سنة عشر والنبي صلى اللَّه عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء .
المسألة الثانية : قوله
يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ
فيه قولان : الأول : يئسوا من أن تحللوا هذه الخبائث بعد أن جعلها اللَّه محرمة . والثاني : يئسوا من أن يغلبوكم على دينكم ، وذلك لأنه تعالى كان قد وعد بإعلاء هذا الدين على كل الأديان ، وهو قوله تعالى :
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ *
[ التوبة : 33 ] [ الفتح : 28 ] [ الصف : 9 ] فحقق تلك النصرة وأزال الخوف بالكلية وجعل الكفار مغلوبين بعد أن كانوا غالبين ، ومقهورين بعد أن كانوا قاهرين ، وهذا القول أولى .
المسألة الثالثة : قال قوم : الآية دالة على أن التقية جائزة عند الخوف ، قالوا لأنه تعالى أمرهم بإظهار هذه الشرائع وإظهار العمل بها وعلل ذلك بزوال الخوف من جهة الكفار ، وهذا يدل على أن قيام الخوف يجوز تركها .
ثم قال تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في الآية سؤال وهو أن قوله
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
يقتضي أن الدين كان ناقصا قبل ذلك ، وذلك يوجب أن الدين الذي كان صلى اللَّه عليه وسلم مواظبا عليه أكثر عمره كان ناقصا ، وأنه إنما وجد الدين الكامل في آخر عمره مدة قليلة .
واعلم أن المفسرين لأجل الاحتراز عن هذا الأشكال ذكروا وجوها : الأول : أن المراد من قوله /
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
هو إزالة الخوف عنهم وإظهار القدرة لهم على أعدائهم ، وهذا كما يقول الملك عندما يستولي على عدوه ويقهره قهرا كليا : اليوم كمل ملكنا ، وهذا الجواب ضعيف لأن ملك ذلك الملك كان قبل قهر العدو ناقصا . الثاني : أن المراد : إني أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكاليفكم من تعلم الحلال والحرام ، وهذا أيضا ضعيف لأنه لو لم يكمل لهم قبل هذا اليوم ما كانوا محتاجين إليه من الشرائع كان ذلك تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة ، وأنه لا يجوز . الثالث : وهو الذي ذكره القفال وهو المختار : أن الدين ما كان ناقصا البتة ، بل كان أبدا كاملا ، يعني كانت الشرائع النازلة من عند اللَّه في كل وقت كافية في ذلك الوقت ، إلا أنه تعالى كان عالما في أول وقت المبعث بأن ما هو كامل في هذا اليوم ليس بكامل في الغد ولا صلاح فيه ، فلا جرم كان ينسخ بعد الثبوت وكان يزيد بعد العدم ، وأما في آخر زمان المبعث فأنزل اللَّه شريعة كاملة وحكم ببقائها إلى يوم القيامة ، فالشرع أبدا كان كاملا ، إلا أن الأول كمال إلى زمان مخصوص ، والثاني كمال إلى يوم القيامة فلأجل هذا المعنى قال :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
.
المسألة الثانية : قال نفاة القياس : دلت الآية على أن القياس باطل ، وذلك لأن الآية دلت على أنه تعالى قد نص على الحكم في جميع الوقائع ، إذ لو بقي بعضها غير مبين الحكم لم يكن الدين كاملا ، وإذا حصل النص في جميع الوقائع فالقياس إن كان على وفق ذلك النص كان عبثا ، وإن كان على خلافه كان باطلا .
أجاب مثبتو القياس بأن المراد بإكمال الدين أنه تعالى بيّن حكم جميع الوقائع بعضها بالنص وبعضها بأن بين طريق معرفة الحكم فيها على سبيل القياس ، فإنه تعالى لما جعل الوقائع قسمين أحدهما التي نص على