تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
قده وصنعته ، وما أحسن ما زلم سهمه ، أي سواه ، ويقال لقوائم البقر أزلام ، شبهت بالقداح للطافتها . ثم قال تعالى :
ذلِكُمْ فِسْقٌ
وفيه وجهان : الأول : أن يكون راجعا إلى الاستقسام بالأزلام فقط ومقتصرا عليه . والثاني : أن يكون راجعا إلى جميع ما تقدم ذكره من التحليل والتحريم ، فمن خالف فيه رادا على اللَّه تعالى كفر . فإن قيل : على القول الأول لم صار الاستقسام بالأزلام فسقا ؟ أليس أنه صلى اللَّه عليه وسلم كان يحب الفأل ، وهذا أيضا من جملة الفأل فلم صار فسقا ؟ قلنا : قال الواحدي : إنما يحرم ذلك لأنه طلب لمعرفة الغيب ، وذلك حرام لقوله تعالى :
وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً
[ لقمان : 34 ] وقال
قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ
[ النمل : 65 ] وروى أبو الدرداء عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة » . ولقائل أن يقول : لو كان طلب الظن بناء على الإمارات المتعارفة طلبا لمعرفة الغيب لزم أن يكون علم التعبير غيبا أو كفرا لأنه طلب للغيب ، ويلزم أن يكون التمسك بالفأل كفرا لأنه طلب للغيب ، ويتعين أن يكون أصحاب الكرامات المدعون للإلهامات كفارا ، ومعلوم أن ذلك كله باطل ، وأيضا فالآيات إنما وردت في العلم ، والمستقسم بالأزلام نسلم أنه لا يستفيد من ذلك علما وإنما يستفيد من ذلك ظنا ضعيفا ، فلم يكن ذلك داخلا تحت هذه الآيات . وقال قوم آخرون أنهم كانوا يحملون تلك الأزلام عند الأصنام ويعتقدون أن ما يخرج من الأمر والنهي على تلك الأزلام فبارشاد الأصنام وإعانتهم ، فلهذا السبب كان ذلك فسقا وكفرا ، وهذا القول عندي أولى وأقرب . قوله تعالى :
الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ
. اعلم أنه تعالى لما عدد فيما مضى ما حرّمه من بهيمة الأنعام وما أحله منها ختم الكلام فيها بقوله
ذلِكُمْ فِسْقٌ
والغرض منه تحذير المكلفين عن مثل تلك الأعمال ، ثم حرضهم على التمسك / بما شرع لهم بأكمل ما يكون فقال
الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ
أي فلا تخافوا المشركين في خلافكم إياهم في الشرائع والأديان ، فإني أنعمت عليكم بالدولة القاهرة والقوة العظيمة وصاروا مقهورين لكم ذليلين عندكم ، وحصل لهم اليأس من أن يصيروا قاهرين لكم مستولين عليكم ، فإذا صار الأمر كذلك فيجب عليكم أن لا تلتفتوا إليهم ، وأن تقبلوا على طاعة اللَّه تعالى والعمل بشرائعه وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله
الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ
فيه قولان : الأول : أنه ليس المراد هو ذلك اليوم بعينه حتى يقال إنهم ما يئسوا قبله بيوم أو يومين ، وإنما هو كلام خارج على عادة أهل اللسان معناه لا حاجة بكم الآن إلى مداهنة هؤلاء الكفار لأنكم الآن صرتم بحيث لا يطمع أحد من أعدائكم في توهين أمركم ، ونظيره قوله : كنت بالأمس شابا واليوم قد صرت شيخا ، ولا يريد بالأمس اليوم الذي قبل يومك ، ولا باليوم يومك الذي أنت فيه . والقول الثاني : أن المراد به يوم نزول هذه الآية ، وقد نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 286 | فخر الدين الرازي