المسألة الثانية : قال القاضي : هذه الآية أحد ما يستدل به من لا يجعل الايمان في نكاح الفتيات شرطا ، لأنه لو كان ذلك شرطا لكان كونهن محصنات عفيفات أيضا شرطا ، وهذا ليس بشرط .
وجوابه : أن هذا معطوف لا على ذكر الفتيات المؤمنات ، بل على قوله :
فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
ولا شك أن كل ذلك واجب ، فعلمنا أنه لا يلزم من عدم الوجوب في هذا ، عدم الوجوب فيما قبله واللَّه أعلم .
ثم قال تعالى :
فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ
. وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم
أُحْصِنَّ
بالفتح في الألف ، والباقون بضم الألف ، فمن فتح فمعناه : أسلمن ، هكذا قاله عمر وابن مسعود والشعبي والنخعي والسدي ، ومن / ضم الألف فمعناه : أنهن أحصن بالأزواج . هكذا قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد . ومنهم من طعن في الوجه الأول فقال : أنه تعالى وصف الإماء بالإيمان في قوله :
فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ
ومن البعيد أن يقال فتياتكم المؤمنات ، ثم يقال : فإذا آمن ، فإن حالهن كذا وكذا ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى ذكر حكمين : الأول :
حال نكاح الإماء ، فاعتبر الإيمان فيه بقوله :
مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ
والثاني : حكم ما يجب عليهن عند إقدامهن على الفاحشة ، فذكر حال إيمانهن أيضا في هذا الحكم ، وهو قوله :
فَإِذا أُحْصِنَّ
.
المسألة الثانية : في الآية إشكال قوي ، وهو أن المحصنات في قوله :
فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ
إما أن يكون المراد منه الحرائر المتزوجات ، أو المراد منه الحرائر الأبكار . والسبب في إطلاق اسم المحصنات عليهن حريتهن . والأول مشكل ، لأن الواجب على الحرائر المتزوجات في الزنا : الرجم ، فهذا يقتضي أن يجب في زنا الإماء نصف الرجم ، ومعلوم أن ذلك باطل . والثاني : وهو أن يكون المراد : الحرائر الأبكار ، فنصف ما عليهن هو خمسون جلدة ، وهذا القدر واجب في زنا الأمة سواء كانت محصنة أو لم تكن ، فحينئذ يكون هذا الحكم معلقا بمجرد صدور الزنا عنهن ، وظاهر الآية يقتضي كونه معلقا بمجموع الأمرين :
الإحصان والزنا ، لأن قوله :
فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ
شرط بعد شرط ، فيقتضي كون الحكم مشروطا بهما نصا ، فهذا إشكال قوي في الآية .
والجواب : أنا نختار القسم الثاني ، وقوله :
فَإِذا أُحْصِنَّ
ليس المراد منه جعل هذا الإحصان شرطا لأن يجب في زناها خمسون جلدة ، بل المعنى أن حد الزنا يغلظ عند التزوج ، فهذه إذا زنت وقد تزوجت فحدها خمسون جلدة لا يزيد عليه ، فبأن يكون قبل التزوج هذا القدر أيضا أولى ، وهذا مما يجري مجرى المفهوم بالنص ، لأن عند حصول ما يغلظ الحد ، لما وجب تخفيف الحد لمكان الرق ، فبأن يجب هذا القدر عند مالا يوجد ذلك المغلظ كان أولى واللَّه أعلم .
المسألة الثالثة : الخوارج اتفقوا على انكار الرجم ، واحتجوا بهذه الآية ، وهو أنه تعالى أوجب على الأمة نصف ما على الحرة المحصنة ، فلو وجب على الحرة المحصنة الرجم ، لزم أن يكون الواجب على الأمة نصف الرجم وذلك باطل ، فثبت أن الواجب على الحرة المتزوجة ليس إلا الجلد ، والجواب عنه ما ذكرناه في المسألة المتقدمة ، وتمام الكلام فيه مذكور في سورة النور في تفسير قوله :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
[ النور : 2 ] .