المسألة الثالثة : الفقه : الفهم ، يقال أوتى فلانا فقها ، ومنه
قوله صلى اللَّه عليه وسلم لا بن عباس : « فقهه في التأويل »
أي فهمه . ثم قال تعالى :
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 79 ]
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 79 )
قال أبو علي الجبائي : قد ثبت أن لفظ السيئة تارة يقع على البلية والمحنة ، وتارة يقع على الذنب والمعصية ، ثم إنه تعالى أضاف السيئة إلى نفسه في الآية الأولى بقوله :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
[ النساء : 78 ] وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله :
وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
فلا بد من التوفيق بين هاتين الآيتين وإزالة التناقض عنهما ، ولما كانت السيئة بمعنى البلاء والشدة مضافة إلى اللَّه وجب أن تكون السيئة بمعنى المعصية مضافة إلى العبد حتى يزول التناقض بين هاتين الآيتين المتجاورتين ، قال : وقد حمل المخالفون أنفسهم على تغيير الآية وقرءوا : ( فمن تعسك ) فغيروا القرآن وسلكوا مثل طريقة الرافضة من ادعاء التغيير في القرآن .
فان قيل : فلما ذا فصل تعالى بين الحسنة والسيئة في هذه الآية فأضاف الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة وكلاهما فعل العبد عندكم ؟
قلنا : لأن الحسنة وإن كانت من فعل العبد فإنما وصل إليها بتسهيله تعالى وألطافه فصحت الإضافة إليه ، وأما السيئة التي هي من فعل العبد فهي غير مضافة إلى اللَّه تعالى لا بأنه تعالى فعلها ولا بأنه أرادها ، ولا بأنه أمر بها ، ولا بأنه رغب فيها ، فلا جرم انقطعت إضافة هذه السيئة من جميع الوجوه إلى اللَّه تعالى . هذا منتهى كلام الرجل في هذا الموضع .
ونحن نقول : هذه الآية دالة على أن الايمان حصل بتخليق اللَّه تعالى ، والقوم لا يقولون به فصاروا محجوجين بالآية .
إنما قلنا : إن الآية دالة على ذلك لأن الايمان حسنة ، وكل حسنة فمن اللَّه .
إنما قلنا : إن الايمان حسنة ، لأن الحسنة هي الغبطة الخالية عن جميع جهات القبح ، ولا شك أن الايمان كذلك ، فوجب أن يكون حسنة لأنهم اتفقوا على أن قوله :
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ
[ فصلت : 33 ] المراد به كلمة الشهادة ، وقيل في قوله :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
[ النحل : 90 ] قيل : هو لا إله إلا اللَّه ، فثبت أن الإيمان حسنة ، وإنما قلنا إن كل حسنة من اللَّه لقوله تعالى :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
وقوله :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ
يفيد العموم في جميع الحسنات ، ثم حكم على كلها بأنها من اللَّه ، فيلزم من هاتين المقدمتين ، أعني أن الإيمان حسنة ، وكل حسنة من اللَّه ، القطع بأن الإيمان من اللَّه .
فان قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من كون الايمان من اللَّه هو أن اللَّه أقدره عليه وهداه إلى معرفة حسنة ، وإلى معرفة قبح ضده الذي هو الكفر ؟
قلنا : جميع الشرائع مشتركة بالنسبة إلى الايمان والكفر عندكم ، ثم إن العبد باختيار نفسه أوجد الايمان ، ولا مدخل لقدرة اللَّه وإعانته في نفس الايمان ، فكان الايمان منقطعا عن اللَّه في كل الوجوه ، فكان هذا مناقضا