والحصون ، وأصلها في اللغة من الظهور ، يقال : تبرجت المرأة ، إذا أظهرت محاسنها ، والمشيدة المرتفعة ، وقرئ
مُشَيَّدَةٍ
قال صاحب « الكشاف » : من شاد القصر إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجص ، وقرأ نعيم بن ميسرة بكسر الياء وصفا لها بفعل فاعلها مجازا ، كما قالوا : قصيدة شاعرة ، وإنما الشاعر قائلها .
قوله تعالى :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً
.
اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين كونهم متثاقلين عن الجهاد خائفين من الموت غير راغبين / في سعادة الآخرة حكى عنهم في هذه الآية خصلة أخرى قبيحة أقبح من الأولى ، وفي النظم وجه آخر ، وهو أن هؤلاء الخائفين من الموت المتثاقلين في الجهاد من عادتهم أنهم إذا جاهدوا وقاتلوا فان أصابوا واحدة وغنيمة قالوا : هذه من عند اللَّه ، وإن أصابهم مكروه قالوا : هذا من شؤم مصاحبة محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، وهذا يدل على غاية حمقهم وجهلهم وشدة عنادهم ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : ذكروا في الحسنة والسيئة وجوها ؛ الأول : قال المفسرون : كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك اللَّه عنهم بعض الإمساك كما جرت عادته في جميع الأمم ، قال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ
فعند هذا قال اليهود والمنافقون : ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرجل ، نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم ، فقوله تعالى :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ
يعني الخصب ورخص السعر وتتابع الأمطار قالوا : هذا من عند اللَّه
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
جدب وغلاء سعر قالوا هذا من شؤم محمد ، وهذا كقوله تعالى :
فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ
[ الأعراف : 131 ] وعن قوم صالح :
قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ
[ النمل : 47 ] .
القول الثاني : المراد من الحسنة النصر على الأعداء والغنيمة ، ومن السيئة القتل والهزيمة قال القاضي :
والقول الأول هو المعتبر لأن إضافة الخصب والغلاء إلى اللَّه وكثرة النعم وقلتها إلى اللَّه جائزة ، أما إضافة النصر والهزيمة إلى اللَّه فغير جائزة ، لأن السيئة إذا كانت بمعنى الهزيمة والقتل لم يجز إضافتها إلى اللَّه ، وأقول : القول كما قال على مذهبه ، أما على مذهبنا فالكل داخل في قضاء اللَّه وقدره .
المسألة الثانية : اعلم أن السيئة تقع على البلية والمعصية ، والحسنة على النعمة والطاعة قال تعالى :
وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
[ الأعراف : 168 ] وقال :
إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ
[ هود : 114 ] .
إذا عرفت هذا فنقول : قوله :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ
يفيد العموم في كل الحسنات ، وكذلك قوله :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
يفيد العموم في كل السيئات ، ثم قال بعد ذلك :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
فهذا تصريح بأن جميع الحسنات والسيئات من اللَّه ، ولما ثبت بما ذكرناه أن الطاعات والمعاصي داخلتان تحت اسم الحسنة والسيئة كانت الآية دالة على أن جميع الطاعات والمعاصي من اللَّه وهو المطلوب .
فان قيل : المراد هاهنا بالحسنة والسيئة ليس هو الطاعة والمعصية ، ويدل عليه وجوه : الأول : اتفاق الكل