لمضار الدنيا ، وامر بالتقوى تقليلا تقليلا لمضار الآخرة ، فكانت الآية على هذا التأويل جامعة لآداب الدنيا والآخرة .
المسألة الرابعة : قوله :
مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
أي من صواب التدبير الذي لا شك في ظهور الرشد فيه ، وهو مما ينبغي لكل عاقل أن يعزم عليه ، فتأخذ نفسه لا محالة به ، والعزم كأنه من جملة الحزم وأصله من قول الرجل : عزمت عليك أن تفعل كذا ، أي ألزمته إياك لا محالة على وجه لا يجوز ذلك الترخص في تركه ، فما كان من الأمور حميد العاقبة معروفاً بالرشد والصواب فهو من عزم الأمور لأنه مما لا يجوز لعاقل أن يترخص في تركه ، ويحتمل وجها آخر ، وهو أن يكون معناه : فإن ذلك مما قد عزم عليكم فيه أي ألزمتم الأخذ به واللّه أعلم .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 187 ]
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ ( 187 )
اعلم أن في كيفية النظم وجهين : الأول : أنه تعالى لما حكى عن اليهود شبها طاعنة في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وأجاب عنه أتبعه بهذه الآية ، وذلك لأنه تعالى أوجب عليهم في التوراة والإنجيل على أمة موسى وعيسى عليهما السلام ، أن يشرحوا ما في هذين الكتابين من الدلائل الدالة على صحة دينه وصدق نبوته ورسالته ، والمراد منه التعجب من حالهم كأنه قيل : كيف يليق بكم إيراد الطعن في نبوته ودينه مع أن كتبكم ناطقة ودالة على أنه يجب عليكم ذكر الدلائل الدالة على صدق نبوته وذينه . الثاني : أنه تعالى لما أوجب في الآية المتقدمة على محمد صلى اللّه عليه وسلم احتمال الأذى من أهل الكتاب ، وكان من جملة إيذائهم للرسول صلى اللّه عليه وسلم أنهم كانوا يكتمون ما في التوراة والإنجيل من الدلائل الدالة على نبوته ، فكانوا يحرفونها ويذكرون لها تأويلات فاسدة ، فبين أن هذا من تلك الجملة التي يجب فيها الصبر [ في قوله تعالى
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ
] وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو بكر وعاصم وأبو عمرو ليبيننه ولا يكتمونه بالياء فيهما / كناية عن أهل الكتاب ، وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب الذي كان حاصلا في وقت أخذ الميثاق ، أي فقال لهم :
لتبيننه ، ونظير هذه الآية قوله :
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
[ البقرة : 83 ] بالتاء والياء وأيضا قوله :
وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ
[ الإسراء : 4 ] .
المسألة الثانية : الكلام في كيفية أخذ الميثاق قد تقدم في الآية المتقدمة ، وذلك لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أوردوا الدلائل في جميع أبواب التكاليف وألزموهم قبولها ، فاللّه سبحانه وتعالى إنما أخذ الميثاق منهم على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فذلك التوكيد والإلزام هو المراد بأخذ الميثاق . وعن سعيد بن جبير :
قلت لابن عباس : إن أصحاب عبد اللّه يقرؤن
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ
[ آل عمران : 81 ] فقال أخذ اللّه ميثاق النبيين على قومهم . واعلم أن الزام هذا الإظهار لا شك أنه مخصوص بعلماء القوم الذين يعرفون ما في الكتاب واللّه أعلم .
المسألة الثالثة : الضمير في قوله :
لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ
إلى ما ذا يعود ؟ فيه قولان : قال سعيد بن جبير والسدي : هو عائد إلى محمد عليه السلام ، وعلى هذا التقدير يكون الضمير عائدا إلى معلوم غير مذكور ، وقال الحسن وقتادة : يعود إلى الكتاب في قوله :
أُوتُوا الْكِتابَ
أي أخذنا ميثاقهم بأن يبينوا للناس ما في التوراة والإنجيل من الدلالة على صدق نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم .