تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ
[ الزمر : 68 ] وذلك يقتضي أن لا يموت الداخلون في هذا / الاستثناء ، وهذا العموم يقتضي موت الكل ، وأيضاً يقتضي وقوع الموت لأهل الجنة ولأهل النار لأن كلهم نفوس . وجوابه : أن المراد بالآية المكلفون الحاضرون في دار التكليف بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الآية :
فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ
فان هذا المعنى لا يتأتى إلا فيهم ، وأيضا العام بعد التخصيص يبقى حجة . المسألة الثانية :
ذائِقَةُ
فاعلة من الذوق ، واسم الفاعل إذا أضيف إلى اسم وأريد به الماضي لم يجز فيه إلا الجر ، كقولك : زيد ضارب عمرو أمس ، فان أردت به الحال والاستقبال جاز الجر والنصب تقول : هو ضارب زيد غدا ، وضارب زيدا غدا ، قال تعالى :
هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ
[ الزمر : 38 ] قرئ بالوجهين لأنه للاستقبال . وروي عن الحسن أنه قرأ
ذائِقَةُ الْمَوْتِ
بالتنوين ونصب « الموت » وهذا هو الأصل وقرأ الأعمش
ذائِقَةُ الْمَوْتِ
بطرح التنوين مع النصب كقوله :
ولا ذاكر اللّه إلا قليلا
وتمام الكلام في هذه المسألة يأتي في سورة النساء عند قوله :
ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ *
[ النساء : 97 ] إن شاء اللّه تعالى . المسألة الثالثة : زعمت الفلاسفة أن الموت واجب الحصول عند هذه الحياة الجسمانية ، وذلك لأن هذه الحياة الجسمانية لا تحصل إلا بالرطوبة الغريزية والحرارة الغريزية ، ثم إن الحرارة الغريزية تؤثر في تحليل الرطوبة الغريزية ، ولا تزال تستمر هذه الحالة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفئ الحرارة الغريزية ويحصل الموت ، فبهذا الطريق كان الموت ضروريا في هذه الحياة . قالوا وقوله :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
يدل على أن النفوس لا تموت بموت البدن ، لأنه جعل النفس ذائقة الموت ، والذائق لا بد وأن يكون باقيا حال حصول الذوق ، والمعنى أن كل نفس ذائقة موت البدن ، وهذا يدل على أن النفس غير البدن ، وعلى أن النفس لا تموت بموت البدن ، وأيضا : لفظ النفس مختص بالأجسام ، وفيه تنبيه على أن ضرورة الموت مختصة بالحياة الجسمانية ، فأما الأرواح المجردة فلا ، وقد جاء في الروايات ما هو خلاف ذلك ، فإنه روي عن ابن عباس أنه قال : لما نزل قوله تعالى :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
[ الرحمن : 26 ] قالت الملائكة مات أهل الأرض ، ولما نزل قوله تعالى :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
قالت الملائكة متنا . المسألة الرابعة : قوله تعالى :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
يدل على أن المقتول يسمى بالميت وإنما لا يسمى المذكى بالميت بسبب التخصيص بالعرف . ثم قال تعالى :
وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
بين تعالى أن تمام الأجر والثواب لا يصل إلى المكلف إلا يوم القيامة ، لأن كل منفعة تصل إلى المكلف في الدنيا فهي مكدرة بالغموم والهموم وبخوف الانقطاع والزوال ، والأجر التام والثواب الكامل إنما يصل إلى المكلف يوم القيامة لأن هناك يحصل السرور بلا غم ، والأمن بلا خوف ، واللذة بلا ألم والسعادة بلا خوف الانقطاع ، وكذا القول في جانب العقاب فإنه لا يحصل في الدنيا ألم خالص عن شوائب اللذة ، بل يمتزج به راحات وتخفيفات ، وإنما الألم التام الخالص الباقي هو الذي يكون يوم القيامة ، نعوذ باللّه منه . ثم قال تعالى :
فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ
الزحزحة التنحية والابعاد ، وهو تكرير
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 452 | فخر الدين الرازي