على الفعل أو على الترك إلا بعد إمعان النظر وكثرة الفكر ، وهؤلاء يقدمون على الفعل أو على الترك في مثل هذا المهم العظيم بأهون الأسباب وأضعف الموجبات ، وذلك يدل على قلة عقلهم وشدة حماقتهم ، فأمثال هؤلاء لا يلتفت العاقل إليهم . وثالثها : ان أكثرهم إنما ينازعونك في الدين ، لا بناء على الشبهات ، بل بناء على الحسد والمنازعة في منصب الدنيا ، ومن كان عقله هذا القدر ، وهو أنه يبيع بالقليل من الدنيا السعادة العظيمة في الآخرة كان في غاية الحماقة ، ومثله لا يقدر في إلحاق الضرر بالغير ، فهذا هو الفائدة في إعادة هذه الآية واللّه أعلم بمراده .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 178 ]
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 178 )
اعلم أنه تعالى حكى عن الذين ذهبوا إلى المدينة لتثبيط أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم أنهم إنما ثبطوهم لأنهم خوفوهم بأن يقتلوا كما قتل المسلمون يوم أحد ، واللّه تعالى بين أن أقوال هؤلاء الشياطين لا يقبلها المؤمن ولا يلتفت إليها ، وإنما الواجب على المؤمن أن يعتمد على فضل اللّه ، ثم بين في هذه الآية أن بقاء هؤلاء المتخلفين ليس خيرا من قتل أولئك الذين قتلوا بأحد ، لأن هذا البقاء صار وسيلة إلى الخزي في الدنيا والعقاب الدائم في القيامة ، وقتل أولئك الذين قتلوا يوم أحد صار وسيلة إلى الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة ، فترغيب أولئك المثبطين في مثل هذه الحياة وتنفيرهم عن مثل ذلك القتل لا يقبله إلا جاهل . فهذا بيان وجه النظم ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو ولا تحسبن الذين كفروا ولا تحسبن الذين يبخلون [ آل عمران : 180 ] لا تحسبن الذين يفرحون . . . فلا تحسبنهم [ آل عمران : 188 ] في الأربعة بالتاء وضم الباء في قوله : تحسبنهم وقرأ نافع وابن عامر بالياء إلا قوله :
فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ
فإنه بالتاء ، وقرأ حمزة كلها بالتاء ، واختلاف القراء في فتح السين وكسرها قدمناه في سورة البقرة ، أما الذين قرءوا بالياء المنقطة من تحت : فقوله :
يَحْسَبَنَّ
فعل ، وقوله :
الَّذِينَ كَفَرُوا
فاعل يقتضي مفعولين أو مفعولا يسد مسد مفعولين نحو حسبت ، وقوله : حسبت أن زيدا منطلق ، وحسبت أن يقوم عمرو ، فقوله في الآية :
أَنَّما نُمْلِي / لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ
يسد مسد المفعولين ، ونظيره قوله تعالى :
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ
[ الفرقان : 44 ] وأما قراءة حمزة بالتاء المنقطة من فوق فأحسن ما قيل فيه ما ذكره الزجاج ، وهو أن
الَّذِينَ كَفَرُوا
نصب بأنه المفعول الأول ، و
أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ
بدل عنه . و
خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ
هو المفعول الثاني والتقدير : ولا تحسبن يا محمد إملاء الذين كفروا خيرا لهم . ومثله مما جعل « أن » مع الفعل بدلا من المفعول قوله تعالى :
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ
[ الأنفال : 7 ] فقوله :
أَنَّها لَكُمْ
بدل من إحدى الطائفتين .
المسألة الثانية : « ما » في قوله :
أَنَّما
يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون بمعنى الذي فيكون التقدير :
لا تحسبن الذين كفروا أن الذي نمليه خير لأنفسهم ، وحذف الهاء من « نملي » لأنه يجوز حذف الهاء من صلة الذي كقولك : الذي رأيت زيد ، والآخر : أن يقال : « ما » مع ما بعدها في تقدير المصدر ، والتقدير : لا تحسبن الذين كفروا أن إملائي لهم خير .
المسألة الثالثة : قال صاحب « الكشاف » : « ما » مصدرية وإذا كان كذلك فكان حقها في قياس علم الخط أن