وروي أنهم قالوا : هل يكون هذا غزوا ، فأعطاهم اللّه ثواب الغزو ورضي عنهم .
واعلم أن أهل المغازي اختلفوا ، فذهب الواقدي إلى تخصيص الآية الأولى بواقعة حمراء الأسد ، والآية الثانية ببدر الصغرى ، ومنهم من يجعل الآيتين في وقعة بدر الصغرى ، والأول أولى لأن قوله تعالى :
مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ
كأنه يدل على قرب عهد بالقرح ، فالمدح فيه أكثر من المدح / على الخروج على العدو من وقت إصابة القرح لمسه ، والقول الآخر أيضا محتمل . والقرح على هذا القول يجب أن يفسر بالهزيمة ، فكأنه قيل : إن الذين انهزموا ثم أحسنوا الأعمال بالتوبة واتقوا اللّه في سائر أمورهم ، ثم استجابوا للّه وللرسول عازمين على الثواب موطنين أنفسهم على لقاء العدو ، بحيث لما بلغهم كثرة جموعهم لم يفتروا ولم يفشلوا ، وتوكلوا على اللّه ورضوا به كافياً ومعيناً فلهم أجر عظيم لا يحجبهم عنه ما كان منهم من الهزيمة إذ كانوا قد تابوا عنها واللّه أعلم .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 175 ]
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 175 )
اعلم أن قوله :
الشَّيْطانُ
خبر
ذلِكُمُ
بمعنى : إنما ذلكم المثبط هو الشيطان و
يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ
جملة مستأنفة بيان لتثبيطه ، أو
الشَّيْطانُ
صفة لاسم الإشارة و
يُخَوِّفُ
الخبر ، والمراد بالشيطان الركب ، وقيل : نعيم بن مسعود ، وسمي شيطاناً لعتوه وتمرده في الكفر ، كقوله :
شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ
[ الأنعام :
112 ] وقيل : هو الشيطان يخوف بالوسوسة .
أما قوله تعالى :
يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ
ففيه سؤال : وهو أن الذين سماهم اللّه بالشيطان إنما خوفوا المؤمنين ، فما معنى قوله :
الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ
والمفسرون ذكروا فيه ثلاثة أوجه : الأول : تقدير الكلام : ذلكم الشيطان يخوفكم بأوليائه ، فحذف المفعول الثاني وحذف الجار ، ومثال حذف المفعول الثاني قوله تعالى :
فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ
[ القصص : 7 ] أي فإذا خفت عليه فرعون ، ومثال حذف الجار قوله تعالى :
لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً
[ الكهف : 2 ] معناه : لينذركم ببأس وقوله :
لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ
[ غافر : 15 ] أي لينذركم بيوم التلاق ، وهذا قول الفراء ، والزجاج ، وأبي علي . قالوا : ويدل عليه قراءة أبي بن كعب يخوفكم بأوليائه .
القول الثاني : أن هذا على قول القائل : خوفت زيدا عمرا ، وتقدير الآية : يخوفكم أولياءه ، فحذف المفعول الأول ، كما تقول : أعطيت الأموال ، أي أعطيت القوم الأموال ، قال ابن الأنباري : وهذا أولى من ادعاء جار لا دليل عليه وقوله :
لِيُنْذِرَ بَأْساً
أي لينذركم بأساً وقوله :
لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ
أي لينذركم يوم التلاق والتخويف يتعدى إلى مفعولين من غير حرف جر تقول : خاف زيد القتال ، وخوفته القتال وهذا الوجه يدل عليه قراءة ابن مسعود يخوفكم أولياءه .
القول الثالث : أن معنى الآية : يخوف أولياءه المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين ، والمعنى الشيطان يخوف أولياءه الذين يطيعونه ويؤثرون أمره ، فأما أولياء اللّه ، فإنهم لا يخافونه إذا خوفهم ولا ينقادون لأمره ومراده منهم ، وهذا قول الحسن والسدي ، فالقول الأول فيه محذوفان ، والثاني فيه محذوف واحد ، والثالث لا حذف فيه . وأما الأولياء فهم المشركون والكفار ، وقوله :
فَلا تَخافُوهُمْ
الكناية في القولين الأولين عائدة إلى الأولياء . وفي القول الثالث عائدة إلى
النَّاسُ
في قوله :
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
[ آل عمران : 173 ]
فَلا تَخافُوهُمْ
فتقعدوا عن القتال وتجنبوا
وَخافُونِ
فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى ما يأمركم به
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
يعني أن الايمان يقتضي أن تؤثروا خوف اللّه على خوف الناس .