تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
أما سؤال الفعل فجوابه المعارضة بالعلم ، وأما سؤال الوعيد فهذا العموم مخصوص / في صورة التوبة ، فكذلك يجب أن يكون مخصوصا في صورة العفو للدلائل الدالة على العفو . ثم قال تعالى :
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
قال القاضي : هذا يدل على أن الظلم ممكن في أفعال اللّه وذلك بأن ينقص من الثواب أو يزيد في العقاب ، قال : ولا يتأتى ذلك إلا على قولنا دون قول من يقول من المجبرة : إن أي شيء فعله تعالى فهو عدل وحكمة لأنه المالك . الجواب : نفي الظلم عنه لا يدل على صحته عليه ، كما أن قوله :
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
[ البقرة : 255 ] لا يدل على صحتهما عليه .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 162 ]

أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 162 ) اعلم أنه تعالى لما قال :
ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ
[ آل عمران : 161 ] أتبعه بتفصيل هذه الجملة ، وبين أن جزاء المطيعين ما هو ، وجزاء المسيئين ما هو ، فقال :
أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ
وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : للمفسرين فيه وجوه : الأول :
أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ
في ترك الغلول
كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ
في فعل الغلول ، وهو قول الكلبي والضحاك . الثاني :
أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ
بالإيمان به والعمل بطاعته ،
كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ
بالكفر به والاشتغال بمعصيته ، الثالث :
أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ
وهم المهاجرون ،
كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ
وهم المنافقون ، الرابع : قال الزجاج : لما حمل المشركون على المسلمين دعا النبي صلى اللّه عليه وسلم أصحابه إلى أن يحملوا على المشركين ، ففعله بعضهم وتركه آخرون . فقال :
أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ
وهم الذين امتثلوا أمره
كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ
وهم الذين لم يقبلوا قوله ، وقال القاضي : كل واحد من هذه الوجوه صحيح ، ولكن لا يجوز قصر اللفظ عليه لأن اللفظ عام ، فوجب أن يتناول الكل . لأن كل من أقدم على الطاعة فهو داخل تحت قوله
أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ
وكل من أخلد إلى متابعة النفس والشهوة فهو داخل تحت قوله :
كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ
أقصى ما في الباب أن الآية نازلة في واقعة معينة ، لكنك تعلم أن عموم اللفظ لا يبطل لأجل خصوص السبب . المسألة الثانية : قوله :
أَ فَمَنِ اتَّبَعَ
الهمزة فيه للإنكار ، والفاء للعطف على محذوف تقديره : أمن اتقى فاتبع رضوان اللّه . المسألة الثالثة : قوله :
باءَ بِسَخَطٍ
أي احتمله ورجع به ، وقد ذكرناه في سورة البقرة . المسألة الرابعة : قرأ عاصم في إحدى الروايتين عنه : رضوان الله بضم الراء ، والباقون بالكسر وهما مصدران ، فالضم كالكفران ، والكسر كالحسبان . المسألة الخامسة : قوله :
وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ
من صلة ما قبله والتقدير : كمن باء بسخط من اللّه وكان مأواه جهنم ، فأما قوله :
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
فمنقطع عما قبله وهو كلام مبتدأ ، كأنه لما ذكر جهنم أتبعه بذكر صفتها . المسألة السادسة : نظير هذه الآية قوله تعالى :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ
[ الجاثية : 21 ] وقوله :
أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ
[ السجدة : 18 ] وقوله :
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
[ ص : 28 ] واحتج القوم بهذه الآية على أنه لا يجوز من اللّه تعالى أن يدخل المطيعين في
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 415 | فخر الدين الرازي