تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي يعملون كناية عن الغائبين ، والتقدير
لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
والباقون بالتاء على الخطاب ليكون وفقاً لما قبله في قوله :
لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا
ولما بعده في قوله :
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ
. ثم قال تعالى :
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ
مما تجمعون . واعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن شبهة المنافقين ، وتقريره أن هذا الموت لا بد واقع ولا محيص للإنسان من أن يقتل أو يموت ، فإذا وقع هذا الموت أو القتل في سبيل اللّه وفي طلب رضوانه ، فهو خير من أن يجعل ذلك في طلب الدنيا ولذاتها التي لا ينتفع الإنسان بها بعد الموت البتة ، وهذا جواب في غاية الحسن والقوة ، وذلك لأن الإنسان إذا توجه إلى الجهاد أعرض قلبه عن الدنيا وأقبل على الآخرة ، فإذا مات فكأنه تخلص عن العدو ووصل إلى المحبوب ، وإذا جلس في بيته خائفا من الموت حريصا على جمع الدنيا ، فإذا مات فكأنه حجب عن المعشوق وألقي في دار الغربة ، ولا شك في كمال سعادة الأول ، وكمال شقاوة الثاني . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وحمزة والكسائي ( متم ) بكسر الميم ، والباقون بضم الميم ، والأولون أخذوه من : مات يمات مت ، مثل هاب يهاب هبت ، وخاف يخاف خفت ، وروى المبرد هذه اللغة فان صح فقد صحت هذه القراءة ، وأما قراءة الجمهور فهو مأخوذ من ، مات يموت مت : مثل قال يقول قلت . المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه اللّه : اللام في قوله :
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ
لام القسم ، بتقدير اللّه لئن قتلتم في سبيل اللّه ، واللام في قوله :
لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ
جواب القسم ، ودال على أن ما هو داخل عليه جزاء ، والأصوب عندي أن يقال : هذه اللام للتأكيد ، فيكون المعنى إن وجب أن تموتوا وتقتلوا في سفركم وغزوكم ، فكذلك يجب أن تفوزوا بالمغفرة أيضا ، فلما ذا تحترزون عنه كأنه قيل : إن الموت والقتل غير لازم الحصول ، ثم بتقدير أن يكون لازماً فإنه يستعقب لزوم المغفرة ، فكيف يليق بالعاقل أن يحترز عنه ؟ المسألة الثالثة : قرأ حفص عن عاصم ( يجمعون ) بالياء على سبيل الغيبة ، والباقون بالتاء على وجه الخطاب ، أما وجه الغيبة فالمعنى أن مغفرة اللّه خير مما يجمعه هؤلاء المنافقون من الحطام الفاني ، وأما وجه الخطاب فالمعنى أنه تعالى كأنه يخاطب المؤمنين فيقول لهم مغفرة اللّه خير لكم من الأموال التي تجمعونها في الدنيا . المسألة الرابعة : إنما قلنا : إن رحمة اللّه ومغفرته خير من نعيم الدنيا لوجوه : أحدها : أن من يطلب المال فهو في نعب من ذلك الطلب في الحال ، ولعله لا ينتفع به غدا لأنه يموت قبل الغد وأما طلب الرحمة والمغفرة فإنه لا بد وأن ينتفع به لأن اللّه لا يخلف وعده ، وقد قال :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ
[ الزلزلة : 7 ] وثانيها : هب أنه بقي إلى الغد لكن لعل ذلك المال لا يبقى إلى الغد ، فكم من إنسان أصبح أميرا وأمسى أسيرا ، وخيرات الآخرة لا تزول لقوله :
وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ *
[ الكهف : 46 ] ولقوله :
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
[ النحل : 96 ] وثالثها : بتقدير أن يبقى إلى الغد ويبقى المال إلى الغد ، لكن لعله يحدث حادث يمنعك عن الانتفاع به مثل مرض وألم وغيرهما ، ومنافع الآخرة ليست كذلك . ورابعها : بتقدير أنه في الغد يمكنك الانتفاع بذلك المال ، ولكن لذات الدنيا مشوبة بالآلام ومنافعها مخلوطة بالمضار ، وذلك مما لا يخفى ، وأما منافع الآخرة فليست كذلك . وخامسها : هب أن تلك المنافع تحصل في الغد خالصة عن الشوائب
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 403 | فخر الدين الرازي