تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
الموت فلأن يقتل في الجهاد حتى يستوجب الثواب العظيم ، كان ذلك خيرا له من أن يموت من غير فائدة ، وهو المراد من قوله :
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
فهذا هو المقصود من الكلام ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في المراد بقوله :
كَالَّذِينَ كَفَرُوا
فقال بعضهم : هو على إطلاقه ، فيدخل فيه كل كافر يقول مثل هذا القول سواء كان منافقا أو لم يكن ، وقال آخرون : إنه مخصوص بالمنافقين لأن هذه الآيات من أولها إلى آخرها مختصة بشرح أحوالهم ، وقال آخرون : هذا مختص بعبد اللّه بن أبي بن سلول ، ومعتب بن قشير ، وسائر أصحابه ، وعلى هذين القولين فالآية تدل على أن الايمان ليس عبارة عن الإقرار باللسان ، كما تقول الكرامية إذا لو كان كذلك لكان المنافق مؤمنا ، ولو كان مؤمنا لما سماه اللّه كافرا . المسألة الثانية : قال صاحب « الكشاف » : قوله :
وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ
أي لأجل إخراجهم كقوله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ
[ الأحقاف : 11 ] وأقول : تقرير هذا الوجه أنهم / لما قالوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، فهذا يدل على أن أولئك الإخوان كانوا ميتين ومقتولين عند هذا القول ، فوجب أن يكون المراد من قوله :
وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ
هو أنهم قالوا ذلك لأجل إخوانهم ، ولا يكون المراد هو أنهم ذكروا هذا القول مع إخوانهم . المسألة الثالثة : قوله : ( إخوانهم ) يحتمل أن يكون المراد منه الأخوة في النسب وإن كانوا مسلمين ، كقوله تعالى :
وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً *
[ الأعراف : 65 ]
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً *
[ الأعراف : 73 ] فإن الأخوة في هذه الآيات أخوة النسب لا أخوة الدين ، فلعل أولئك المقتولين من المسلمين كانوا من أقارب المنافقين ، فالمنافقون ذكروا هذا الكلام ، ويحتمل أن يكون المراد من هذه الأخوة المشاكلة في الدين ، واتفق إلى أن صار بعض المنافقين مقتولا في بعض الغزوات فالذين بقوا من المنافقين قالوا ذلك . المسألة الرابعة : المنافقون كانوا يظنون أن الخارج منهم لسفر بعيد ، وهو المراد بقوله :
إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ
والخارج إلى الغزو ، وهو المراد بقوله :
أَوْ كانُوا غُزًّى
إذا نالهم موت أو قتل فذلك إنما نالهم بسبب السفر والغزو ، وجعلوا ذلك سببا لتنفير الناس عن الجهاد ، وذلك لأن في الطباع محبة الحياة وكراهية الموت والقتل ، فإذا قيل للمرء : إن تحرزت من السفر والجهاد فأنت سليم طيب العيش ، وإن تقحمت أحدهما وصلت إلى الموت أو القتل ، فالغالب أنه ينفر طبعه عن ذلك ويرغب في ملازمة البيت ، وكان ذلك من مكايد المنافقين في تنفير المؤمنين عن الجهاد . فإن قيل : فلما ذا ذكر بعض الضرب في الأرض الغزو وهو داخل فيه ؟ قلنا : لأن الضرب في الأرض يراد به الإبعاد في السفر ، لا ما يقرب منه ، وفي الغزو لا فرق بين بعيده وقريبه ، إذ الخارج من المدينة إلى جبل أحد لا يوصف بأنه ضارب في الأرض مع قرب المسافة وإن كان غازيا ، فهذا فائدة إفراد الغزو عن الضرب في الأرض . المسألة الخامسة : في الآية إشكال وهو أن قوله :
وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ
يدل على الماضي ، وقوله :
إِذا ضَرَبُوا
يدل على المستقبل فكيف الجمع بينهما ؟ بل لو قال : وقالوا لإخوانهم إذ ضربوا في الأرض ، أي حين ضربوا لم يكن فيه إشكال . والجواب عنه من وجوه : الأول : أن قوله :
قالُوا
تقديره : يقولون فكأنه قيل : لا تكونوا كالذين كفروا